ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) [1] وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ} همزهُ وإغماضه بعينيه فيما لا يحب الله [2] . ونحوه عن مجاهد [3] . {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} من الضمائر والأسرار، والصدر وعاء القلب، والقلب هو الذي يخفي، كما قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (الفتح: من الآية 11) فهو نسبة إلى المحل مجازًا.
{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} لا بغيره؛ لأنه العادل الملك الحق الآمر بقضاء الخلق بالحق، فهو يقضي به، {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ} [4] تعبدون {مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} بحق ولا باطل، وهو تهكم بهم فإن الجماد لا يقال في حقه: يقضي أو لا يقضي {إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} تقرير لعلمه بخائنة الأعين، وبما تخفيه الصدور، وبقضائه بالحق، ووعيد لهم، وتعريض بحال من يدعون من دونه، لما ذكر الله في صدر السورة أنها كذبت الأمم من قبلهم وهمت كل أمة برسولهم وأنه تعالى أخذهم، أبان بعض هذا الإجمال فقال:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا} أي قريش {فِي الأَرْضِ} وهو تقرير لهم بأنهم
(1) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص 376، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 2/ 321، قال الحافظ ابن حجر:"إسناده فيه نظر، فإنه من رواية فرج بن فضالة عن ابن أنعم، وهما ضعيفان". انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 8/ 309، وضعفه الألباني أيضًا في ضعيف الجامع ص 171 (1209) .
(2) أخرجه الطبري في تفسيره 24/ 64، وأبو الشيخ في العظمة 2/ 519، كلاهما من طريق يزيد عن سعيد عن قتادة رحمه الله تعالى، وهو إسناد حسن تقدم الكلام عليه ص 56، وعزاه لعبد بن حميد: السيوطي في الدر المنثور 5/ 653.
(3) عزاه له الثعلبي في تفسيره 8/ 271، وكذا القرطبي 15/ 303.
(4) في الأصل (تدعون) وهي قراءة نافع، وعليها تفسير المؤلف بعدها.