قد ساروا {فَيَنْظُرُوا} بأعينهم، أو بأفكارهم حيث يسمعون {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ} هذا المعنى قد تقرر في القرآن إيقاظًا لهم على الاعتبار {كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قدرةً وتمكنًا من التصرفات، كما قيل:
إنَّ آثارَنَا تَدُلُّ عَلَينا ... فانْظُروا بَعْدَنا إلى الآثَارِ [1]
{وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} من بنائهم الحصون، ونحتهم الجبال، واتخاذهم المصانع، وغير ذلك. كما قيل:
أَينَ الْذِي الهَرَمَان مِنْ بُنْيَانِهِ ... ما قَوْمُهُ مَا يَوْمُهُ ما الْمَصْرَعُ [2]
[ل 140/أ]
{فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} كما قال تعالى في الإجمال: {فَأَخَذْتُهُمْ} (غافر: الآية 5) {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ} من أحد {مِنْ وَاقٍ} يقيهم أخذ الله.
{ذَلِكَ} أي الأخذ {بِأَنَّهُمْ} بسبب {كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} من معجزات {فَكَفَرُوا} بالله وبرسله {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ} قوةً لا كقوتهم التي وصفهم بها [3] {شَدِيدُ الْعِقَابِ} هو كقوله في الإجمال: {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} (غافر: من الآية 5) ثم أخذ تعالى في بيان حال بعض من كذب رسله، ومن أخذهم
(1) البيت أورده جماعة ولم يذكروا قائله. انظر: تفسير القشيري 1/ 160، والتفسير الكبير للرازي 9/ 11.
(2) البيت لأبي الطيب المتنبي يرثي فيها فاتك المجنون، ومطلعها قوله:
الْحُزْنُ يُقْلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَرْدَعُ ... وَالدّمْعُ بَيْنَهُمَا عَصِيٌّ طَيِّعُ
انظر: العرف الطيب شرح ديوان أبي الطيب المتنبي ص 532. ووفيات الأعيان 3/ 460.
(3) كما في قوله تعالى في الآية التي قبلها: {كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} (غافر: من الآية 21) .