ولا بد أنه أتى في حياته تعذيبًا لمن لم يؤمن به، ويأتي الأعظم في أشراط الساعة.
{ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أعرضوا عن الرسول المبين {وَقَالُوا مُعَلَّمٌ} كما قالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} (النحل: من الآية 103) ، وقولهم: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفرقان: من الآية 5) ، وتارةً قالوا {مَجْنُونٌ} ، وقالوا غير ذلك في حقه، أي فهل يتوقع من قوم قالوا ذلك في رسولهم أنهم يتأثرون بالوعظ والتذكير؟ وما مثلهم إلا مثل الكلب إذا جاع ضَغَا وإذا شبع طغى [1] ، ولذا قال تعالى:
{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ} بالجوع {قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} إلى ما أنتم عليه من الطغيان وعدم الإيمان، نحو قوله في قوم فرعون: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} (الأعراف: 135) .
{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} يظهر أنه يتعلق بـ {فَارْتَقِبْ} ، أي ارتقب يوم تأتي السماء بدخان، وارتقب يوم نبطش [2] ، والبطشة الكبرى فُسِّرت بيوم القيامة، أو بيوم بدر [3] . أخرج عبد بن حميد وابن جرير بسند صحيح
(1) قال ابن دريد في جمهرة اللغة 2/ 271:"الضَّغْو: مصدر ضغا الذئبُ يضغو ضَغْوًا وضُغاءً، وهو صياحه وتضوّره إذا جاع، والاسم: الضُّغاء"، وقال الميداني في مجمع الأمثال 1/ 527:"أصل الضَّغْو في الكلب والثعلب إذا اشتدَّ عليه أمر عَوَى عُوَاء ضعيفًا، ثم كثر ذلك حتى جعل لكل مَنْ عَجَز عن شيء، وضَغَا المُقَامِرُ ضَغْوًا وضُغَاءً، إذا خان ولم يَعْدِلْ، يضرب لمن لا يقدر من الانتقام إلا على صِياح".
(2) انظر: تفسير القرطبي 16/ 131، لكنه لم يذكر أنه يتعلق بـ (ارتقب) .
(3) وممن فسرها بيوم القيامة: ابن عباس رضي الله عنهما، وفسرها ابن مسعود رضي الله عنه بيوم بدر، انظر: تفسير الطبري 25/ 138.