فهرس الكتاب
{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [1] ، (البقرة: من الآية 30) ، وما من عبد من العباد، إلا وهو معترض على ربه، بلسان حاله، أو بلسان مقاله، إلا الخُلّص من عباده، وقليل ما هم، وإلا فغالب العباد غير راض بقسمة الله تعالى [2] ، والله قد قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} (الزخرف: من الآية 32) ، فصرح بأنه قسم بينهم معيشتهم، بأنهُ رفع بعضهم فوق بعض، وأن الحكمة في ذلك: اتخاذ بعضهم لبعض سخريًا [3] .
{جُنْدٌ} ، هم أي قريش، {مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ} ، ونحو قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (القمر: 45) ، وهذا إخبارٌ عنهم بأنهم قد وقع عليهم الهزْم، وفي الآية الأخرى العِدة بأنه سَيُهْزم جمعهم، لأن ما وعد الله به فهو واقع لا محالة، وفيه الإخبار بأنهم لا يزالون
(1) جعل المؤلف رحمه الله سؤال الملائكة في الآية التي ذكرها من الاعتراض على الله، وهذا غير صحيح، والصواب: أن سؤالهم إنما كان سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، وهذا الذي يتناسب مع مقامهم، وقد قال سبحانه وتعالى عنهم: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: من الآية 6) . وانظر: في ذلك: تفسير البغوي 1/ 61، وتفسير ابن كثير 1/ 106.
(2) انظر: نحوًا من هذا الكلام في (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن قيم الجوزية 3/ 229.
(3) أي تسخير بعضهم لبعض في أسباب المعاش، انظر: تفسير الطبري 25/ 80، ومعاني القرآن للنحاس 6/ 352. وقال الشوكاني في تفسيره:"وقيل: هو من السخرية التي بمعنى: الاستهزاء، وهذا، وإن كان مطابقًا للمعنى اللغوي، ولكنه بعيد من معنى القرآن، ومنافٍ لما هو مقصود السياق". انظر: فتح القدير للشوكاني 2/ 773.