فهرس الكتاب
الثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، ثم ذكر من حِكَمِ إنزاله حكمتين: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} : ليتفكروا فيها، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) وبتدبر آياته يؤتون الأحكام التي دلّت عليه، والخيرات التي في معانيه، فقد اشتمل على كل خير ديني ودنيوي وبدني، ولقد عدل الناس عن تدبَّره، واستخراج أحكامه، وزُيِّن لهم أمران أحدهما أسهل من الآخر، وهو الاشتغال بالقراءات والوجوه، وإنفاق الساعات في إقامة حروفه، واختلاف القرّاء في ذلك، وهذا لا بأس بقدرٍ منه تقام به مخارج الحروف، وبيان حسن تأديته، وهو شيءٌ يُدرك في أيام قلائل، ولكن الغلو في كل شيءٍ أوجب لهم ذلك الابتداع وعدم الاتباع.
وقد ذكر الذهبي [1] في زغل العلم شيئًا من هذا [2] ، والثاني وهو شرٌ شمل الأعلام من علماء الإسلام، وطال فيه الجدال والخصام، وسرى إلى التكفير وضرب الأجسام، وهو: هل القرآن مخلوقٌ أو قديم؟ [3] ، فمن عرف ما وقع في ذلك بين
(1) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله: حافظ، مؤرخ، علامة محقق. مولده في دمشق عام 673. تصانيفه كبيرة كثيرة تقارب المائة، منها:"سير أعلام النبلاء"و"تذكرة الحفاظ"وغيرها. واختصر كثيرًا من الكتب. توفي بدمشق عام 748 هـ. انظر: الوافي بالوفيات 2/ 164، وشذرات الذهب 6/ 153، والأعلام للزركلي 5/ 326.
(2) انظر: كتاب زغل العلم ص 25، 26، وفي نسبته للذهبي نظر، راجع ص 43.
(3) هذه مسائل قد كثر فيها الجدال، بين أهل السنة والجماعة وبين أهل الزيغ والضلال، ويرجع الكلام فيها إلى الخلاف في صفة الكلام لله سبحانه وتعالى؛ فمن قال: إن كلام الله مخلوق قال: القرآن مخلوق. ومن قال: كلام الله قديم -ويعنون أنه قائم بالله أزلي، ليس له تعلّق بالمشيئة والإرادة -من قال هذا قال: القرآن قديم. وأهل السنة والجماعة لا يقولون بهذا ولا بذاك. وإنما يقولون: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد؛ لأنه من صفات الأفعال، فهو سبحانه متصف بصفة الكلام أزلًا -وهذا معنى: قديم النوع-، وهو سبحانه يتكلم متى شاء وكيف شاء -وهذا معنى: حادث الآحاد-. ولكي تتضح المسألة أكثر سأذكر قول المعتزلة والأشاعرة وأبين منشأ ضلالهم.
فالمعتزلة ينفون الصفات عن الله سبحانه وتعالى؛ لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض بالله يقتضي حدوثه، ومن هذه الصفات: صفة الكلام، فقالوا: كلام الله شيء منفصل عنه، فهو مخلوق، ومن هنا جاءت مقالتهم الضالة: إن القرآن مخلوق.
وأما الأشاعرة فيقولون: نثبت صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، لكن الكلام الذي نثبته هو الكلام النفسي القائم بذاته ولا ينفصل عنه، فالله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام أزلًا، فمن هنا قالوا: القرآن قديم.
وأما أهل السنة فيقولون: القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ولا يطلقون لفظ قديم إلا مع التوضيح والبيان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"إن السلف قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا: لم يزل متكلمًا إذا شاء. فبينوا أن كلام الله قديم، أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم: إن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم: القرآن قديم، بل قالوا: إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه وكان منزلًا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليًا قديمًا بقدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلمًا إذا شاء فجنس كلامه قديم، فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض"ا. هـ. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 12/ 54، وشرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي من ص 127 إلى 152، وتيسير لمعة الاعتقاد للدكتور عبد الرحمن المحمود ص 158.