أنفسكم، وتضمروا [1] مراكبكم للسباق، فتهيؤوا للركوب، وكونوا على أهبة، فإذا صاح النفير استدركتم حلبة السباق، فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظل الظليل والماء السلسبيل [2] ، والفاكهة النضجة والدعة [3] والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار، والتعب والنصب والسفر البعيد، والمفاوز المعطشة التي تنقطع فيها الأمعاء، وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الأجل البعيد، ونترك ما نراه إلى ما لا نراه، وذرة منقودة في اليد أولى من موعودة بعد غد:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به
ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر، كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندري متى نصل إليه، ونهض من كل ألف واحد وقالوا: والله ما مقامنا هذا في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها وانقطاع ثمرها وموت أطيارها- ونترك المسابقة إلى الظل الظليل الذي لا يزول، والعيش الهنيء الذي لا ينقطع، إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظلٍّ أن يضرب خباءه عليه، ويتخذ وطنه خشية التأذي بالحر والبرد؟ وهل هذا إلا أسفه السفه؟ فالسباق السباق والبدار والبدار:
(1) ضمر الخيل: أنحلها لتزيد سرعتها.
(2) السلسبيل: السهل المساغ والانحدار في الحلق.
(3) الدعة: خفض العيش والسعة.