فإن الحق في هذه الأعصار قلما يعرفه إلا واحد بعد واحد، وإذا عظم المطلوب قل الساعد ....
واعلم أني رأيت المصنفين في علم العقيدة الدينية قد سلكوا سلك سبيل مصنفي كتب المذاهب، التي ينتصر فيها المصنف لمذهب واحد في القوي والضعيف، والدقيق والجلي ولم يسلك أحد منهم مسلك مصنفي كتب الإسلام، التي تذكر فيها مذاهب أهل الملة الإسلامية، ويقوي فيها ما قوته الدلائل البرهانية، سواء كان لقريب أو بعيد، أو صديق أو بغيض، وكتب العقائد أحق بسلوك هذا المسلك من كتب الفروع، فأما كون الحق فيها مع واحد فصيح، ولكن لا يستلزم أن يكون الصواب في جميع المواضع المتفرقة قد اجتمع لبعض الفرق وقد قصدت إحياء هذه السنة الميتة التي هي: ترك العصبية ولذلك سميته (إيثار الحق على الخلق) .
جعله الله اسما موافقا لمسماه، ولفظا مطابقا لمعناه، وجدير أن يكون فيه ما يستدرك، فإن كل أسلوب ابتدئ لا يكمل إلا بمعاونة جماعة وتتابعهم عليه، وتكميل المتأخر لما أهل المتقدم.
ولذلك: كانت أوائل كل علم وأسلوب، قليلة أو ناقصة، فليبسط العذر الواقف على ما يستدرك فيه، لما كان أسلوبا غريبا بالنسبة إلى هذه الأزمنة المتأخرة"أ. هـ."