رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ التزامًا كاملًا بفهم السلف )) [1] .
2)هم الذين يحملون علم النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، حيث أعطوه اهتمامًا بالغًا، وأولوه عناية فائقة علمًا وعملًا ودعوة، وجعلوه واجبًا في أعناقهم لا يفرطون به أبدًا، وهذا الواجب مبني على شقين:
الأول: الدعوة إلى هذا الإرث النبوي الشريف، على علم وبصيرة وحكمة، دعوة منضبطة بالضوابط الشرعية التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة الصحيحة، مع مراعاة كل ما من شأنه أن يضر بهذه الدعوة المباركة فيخرجها عن أُطرها الشرعية المُصلِحة
في كل زمان ومكان، ولهذا وضعوا نصب أعينهم ميزان المصالح والمفاسد [2] ـ كما أُمروا ـ كميزان يوزنون به أفعالهم وأقوالهم، ولهذا ترى أنهم لا يدعون إلى شيء يعقبه مفاسد راجحة تضر أكثر مما تنفع وتفرق أكثر مما تجمع.
(2) إنَّ مسألة النظر إلى المصالح والمفاسد ووجوب الالتفات إليهما قبل الشروع في العمل وفق قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ) أصل نبوي عمل به النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في مواضع وحوادث كثيرة، سواء كان في حال القوة أو الضعف، أو في حال السلم أو الحرب، لاسيما ونحن نعيش في زمن صارت فيه هذه القاعدة الشرعية الأصلية مثار سخرية وانتقاص ممن لا يقيم لها وزنًا، وصار من يأمر بها و يدعو إليها يُرمى بالجُبن والخور والانهزامية.
ولقد ذكر الإمام أبن القيم في (إعلام الموقعين 3/ 137 ) ) تسعًا وتسعين وجهًا ودليلًا من الكتاب والسنة توجب العمل بهذه القاعدة الشرعية، ثم قال في ختامها: (( ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة، تفاؤلًا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة، إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان:
أحدهما: مقصود لنفسه.
والثاني: وسيلة إلى المقصود.
والنهي نوعان:
أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. ... =
= والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين )) أ. هـ
ونحن يمكن أن نستشهد على هذه القاعدة بحوادث كثيرة ومشهورة لا يمكن لأحد أن يخفيها ويسدل الستار عليها:
الأولى: كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يرى في مكة أشد المنكرات وأعظم المحرمات ولم يسع إلى تغييرها خوفًا من زيادة المنكر عملًا بالقاعدة (( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) )
وقد يقول قائل على سبيل الاستفسار أو الإنكار: لقد كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في مكة مستضعفًا ولهذا لم يسعَ في ذلك. نقول: ليس الأمر كذلك، بل إن هذه القاعدة يعمل بها على إطلاقها، في كل = =وقت وحين متى ما خيفت المفسدة، بدليل أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) لما دخل مكة منتصرًا أراد هدم الكعبة وإعادة بناءها على قواعد إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) ، ولكنه ترك ذلك ولم يفعله، مع قوته وإمكانيته حينها درءًا للمفسدة التي من الممكن أن تقع بعد ذلك.
فعن سعيد بن ميناء قال سمعت بن الزبير يقول وهو على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها: حدثتني عائشة خالتي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة: (( لولا أن قومك حديث عهد بشرك لهدمت الكعبة ثم زدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشًا اقتصرت بها حين بنت البيت وجعلت لها بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا وألزقتها بالأرض ) )رواه أبن حبان وصححه الإمام الألباني في (( صحيح سنن النسائي: 5/ 215 ) )و (( صحيح جامع الترمذي: 3/ 224 ) ).
الثانية: كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يمر وهو في مكة ببعض المسلمين وهم يعذبون في ذات الله، فيأمرهم بالصبر ويبشرهم بالجنة، وقد قُتل بعضهم كسمية (رضي الله عنها) ولم يأمر في ذلك الوقت أحدًا بالقتال أو الاغتيال خلسة، لما يترتب على ذلك من المفسدة ما هو أعظم من مفسدة تعذيب بعضهم، ألا وهي مفسدة استئصال المسلمين جميعًا وهم قلة مستضعفون، ولما أراد أهل بيعة العقبة من الأنصار أن يَغيروا على أهل منى في موسم الحج وهم نائمون نهاهم النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عن ذلك. ولم تكن مثل هذه السياسة في ذلك الوقت جبنًا ولا خورًا ولا خذلانًا للمسلمين لقاعدة الشريعة الأصلية وهي: (احتمال أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما) .
الثالثة: لقد ترك النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قتل أبن أبي بن سلول رأس المنافقين مع كونه قد قال ما يستوجب القتل حين وصف النبي بالأذل، وترك أيضًا إقامة حد القذف عليه لما تكلم في عرض عائشة، وكذلك ترك قتل ذي الخويصرة لما طعن في عدالته في قسمته حين قسَّم غنائم جاءته من البحرين على بعض الناس يتآلفهم دون أن يكون له منها شيئًا، وهي ردة كما قرره شيخ الإسلام في الصارم= =المسلول، كل ذلك لئلا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه، وهي مفسدة أعظم من مفسدة ترك إقامة الحد عليهم. [أنظر الغلو: 148 للمؤلف] .