تقدم أن فقهاء المسلمين تناولوا حكم اللجوء تحت مصطلح عقد الأمان، وللأمان تعريفات عدة، من أدقها: تعريف ابن عرفة، حيث قال:"رفع استباحة دم الحربي ورقِّه وماله حين قتاله: أو العزم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما" [1] .
وقد ثبتت مشروعية الأمان بأدلة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة والإجماع.
فمن الكتاب الكريم قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) [2] .
قال القرطبي: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) أي من الذين أمرتك بقتالهم (اسْتَجَارَكَ) أي سأل جوارك أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن قبل أمرًا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه" [3] ."
وأما من السنة المطهرة: فقد وردت أحاديث كثيرة دلت على مشروعية الأمان، منها: ما رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم" [4] ، قال النووي""المراد بالذمة -هنا- الأمان، ومعناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، إذا أمنه به أحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم" [5] ، وقال الترمذي:"ومعنى هذا عند أهل العلم: أن من أعطى الأمان من المسلمين فهو جائز عن كلهم [6] .
وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة:"ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه، ثم يرد إلى مأمنه، لا نعلم في هذا خلافًا" [7] .
فعقد الأمان يقتضي ترك القتل والقتال مع الحربيين، وعدم استباحة دمائهم وأموالهم أو استرقاقهم، والتزام الدولة الإسلامية توفير الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين واستقر تحت
(1) شرح حدود ابن عرفة للأنصاري ص 198.
(2) سورة التوبة آية (6) .
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 75.
(4) أخرجه البخاري (فتح 4/ 81) كتاب فضائل المدينة باب حرم المدينة حديث (1870) ومسلم واللفظ له (2/ 998) كتاب الحج باب فضل المدينة حديث (1370) .
(5) شرح مسلم للنووي 9/ 144 وانظر: فتح الباري لابن حجر 4/ 86.
(6) سنن الترمذي 3/ 70.
(7) المغني لابن قدامة 10/ 436، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 75.