التجسس، في حين أن المستأمن إنما يعصم نفسه وماله بعقد الأمان، فحيث أخل بهذا الشرط يرجع الحكم إلى الأصل، وهو إباحة دمه وماله.
والأول أظهر، لأن المستأمن ثبت له الأمان بمقتضى عقد الأمان، فإذا ثبت عليه استغلال ذلك للتجسس على الدولة الإسلامية فإنه يعتبر بذلك مخالفًا لشروط الأمان، ويستحق العقوبة، وأدنى ما يمكن اتخاذه معه اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، ويطلب منه مغادرة البلاد على الفور، مع مطالبة بلاده باتخاذ العقوبة اللازمة في حقه، ويمكن اتخاذ عقوبة أشد من ذلك بحسب ما يراه الحاكم المسلم.
السادس: عدم ارتكاب المستأمن جناية:
لقد اختلفت مذاهب الفقهاء في عقوبة المستأمن إذا صدرت منه بعض الجرائم التي تمس حقوق الله تعالى أو حقوق العباد [1] ، إلا أنهم لم يقولوا بنقض عقد الأمان في حقه بسبب ارتكابه تلك الجناية كما هو مثبت في الهامش.
ذكر بعض الباحثين ضوابط لجواز لجوء المسلم إلى البلاد غير الإسلامية منها:
الضابط الأول: أن يؤكد من وقوع الظلم عليه في دار الإسلام، ويختار الأرض التي يكون فيها آمنًا هو وأهله وأمواله، ويمكنه أن يعبد الله بحرية أكثر من بلده الذي كان فيه.
الضابط الثاني: أن لا يعين الكفار على المسلمين بأي أسلوب من أساليب الإعانة، كأن يفشي لهم أسرار المسلمين، أو أن يقاتل معهم ضد المسلمين.
الضابط الثالث: أن ينوي الرجوع إلى دار الإسلام فورًا بعد أن تزول الأسباب التي من أجلها ترك دار الإسلام.
(1) أولًا: جريمة القتل:
لا خلاف بين الفقهاء في ووجوب القصاص على المستأمن إذا قتل مسلما أو ذميا أو مستأمنا، ودليلهم:
1 -قوله -صلى الله عليه وسلم-:"من اعتبط مسلمًا بقتل فهو به قود"أخرجه النسائي في الديات (4853) ، قال الشافعي: فهذه جامعة لكل من قتل.
2 -أن كل واحد من هؤلاء القتلى معصوم الدم بإيمان أو أمان.
3 -أن المستأمن التزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى حقوق العباد، والقصاص من هذه الحقوق، فيجب عليه.
وعلى هذا فإذا ارتكب اللاجئ جريمة قتل فإنه يخضع للأحكام الشرعية في هذا الباب، ويقام عليه القصاص متى توافرت أركانه وشروطه، وذلك لعموم النصوص الشرعية الدالة على وجوب استيفاء القصاص من القاتل كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى) وقوله -صلى الله عليه وسلم-:"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يودى وإما أن يقاد"أخرجه البخاري (فتح 12/ 205) ، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين حديث (6880) ، ومسلم 2/ 988، كتاب الحج، باب تحريم مكة، حديث (1355) .
ثم إن عدم إقامة القصاص على المستأمن يفضي إلى إهمال حقوق العباد التي اهتم بها الشرع المطهر، ووضع لها أحكامًا؛ لتحصيلها والحفاظ عليها.
ثانيًا: جريمة السرقة:
اختلف الفقهاء في عقوبة المستأمن إذا ما ارتكب جريمة السرقة وتوافرت أركانها وشروطها على مذهبين:
المذهب الأول: لا يقام حد السرقة على المستأمن: وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والقول الأظهر للشافعي.
ودليلهم: أن من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق ملتزمًا أحكام الإسلام، والمستأمن لم يلتزم بالأمان ما يرجع إلى حقوق الله تعالى من الأحكام، وحد السرقة حق الله تعالى فيه غالب، فلم يلتزمه المستأمن فلا يقام عليه.
المذهب الثاني: يقام حد السرقة على المستأمن: وهو قول المالكية، والحنابلة، وقول للشافعي، وأبي يوسف من للحنفية.
ودليلهم: أن المستأمن التزم أحكام الإسلام مدة إقامته في دار الإسلام؛ فصار كالذمي فيقام عليه الحد، وأن السرقة من الفساد في الأرض، فلابد من عقاب زاجر يمنع كل أحد في دار الإسلام من هذا الفساد، وأن هذا الحد وجب صيانة للأموال، كما وجب حد القذف صيانة للأعراض، فكما يجب هذا على المستأمن يجب ذاك عليه أيضًا.
وذهب الشافعي في قول ثالث إلى التفصيل وهو إن شرط عليه في العهد، إن سرق قطع، وإلا فلا قطع، ولا حد.
والذي يظهر هو رجحان المذهب الثاني، لأنه المتفق مع عموم النصوص الدالة على وجوب إقامة الحد على السارق، ولأنه -أيضًا- يتفق مع عموم ولاية الدولة الإسلامية على جميع المقيمين على أرضها، ولأن السرقة من الفساد في الأرض فلا يمكن المستأمن من هذا الفساد.
ثالثًا: جريمة الزنى:
اختلف الفقهاء في إقامة الحد على المستأمن إذا ارتكب جريمة الزنى على مذهبين:
المذهب الأول: لا يقام الحد على المستأمن إذا زنى: وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، والمالكية، وهو مذهب الشافعية في المشهور، ووافقهم الحنابلة إذا ما زنى بغير مسلمة، أما إذا زنى بمسلمة فإنه يقتل.
ودليلهم: أن إقامة الحد تبنى على الولاية، والولاية تبنى على الالتزام، إذ لو ألزمنا المستأمن حكمنا من غير أن يلتزمه أدّى ذلك إلى تنفيره من دارنا، وقد ندبنا إلى معاملة تحمله على الدخول في دارنا؛ ليرى محاسن الإسلام فيسلم، وهو بالأمان التزم حقوق العباد، لأن دخوله لقضاء حاجته، وهي تحصل بذلك، فالتزم أن ينصفهم كما ينصف، وأن لا يؤذي أحدًا، كما لا يؤذى، فيلزمه بالتزامه.
وأما حقوق الله تعالى فلا تلزمه، لأنه لم يلتزمها، ولهذا لا تضرب عليه الجزية، ولم يمنع من الرجوع إلى دار الحرب، فعلم بذلك أنه حربي على حاله، وأن حكم الأمان لا يظهر بالنسبة إلى حقوق الله تعالى، ومنها: حد الزنى.
وقال الحنابلة: لا يحد المستأمن إذا زنى بغير مسلمة، لأنه كالحربي في عدم التزامه بأحكام الإسلام، أما إذا زنى بمسلمة فإنه يجب عليه القتل؛ لنقض العهد، ولا يجب مع القتل حد سواه.
المذهب الثاني: يقام حد الزنى على المستأمن: وهو قول أبي يوسف، والشافعية في وجه.
ودليلهم: أن المستأمن يعتقد حرمة الزنا، لكونه محرمًا في كل الأديان، وقد قدر الإمام على إقامته عليه، وقد التزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات والسياسات مدة مقامه في دارنا، كالذمي الذي التزمها مدة حياته.
والذي يظهر هو رجحان المذهب الثاني؛ وذلك أن الزنا من أكبر المحرمات ومما اتفق على تحريمه الشرائع كلها، ومفاسده من شيوع الفاحشة واختلاط الأنساب ونحو ذلك تلحق الأفراد والمجتمعات سواء كان مرتكب هذه الجريمة مسلمًا أم ذميًا أم مستأمنًا، ولذا كان لابد من إقامة العقوبات الشرعية الرادعة لزجر المجرمين وضعاف الدين والإيمان عن تعدي محارم الله تعالى وحدوده، وقد أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- الحد على اليهوديين اللذين زنيا ورجمهما؛ لأنهما تحت ولاية الدولة الإسلامية، وقد تحاكما إليه.