ثانيًا: من عجز عن الهجرة لم يجب عليه الخروج:
قال ابن كثير [1] :"وقوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ) إلى آخر الآية، هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: (لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) قال مجاهد: يعني طريقًا، وقوله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) أي يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة (وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) قال البخاري عن أبي هريرة قال: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده؛ ثم قال قبل أن يسجد:"اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف" [2] ، وقال البخاري عن ابن عباس: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ) قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل [3] ."
قال شيخ الإسلام:"وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر، وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه شيء من الشرائع ما يعجز عنها، بل الوجوب بحسب الإمكان" [4] .
المذهب الأول: يجب على من أسلم بدار الحرب أن يهاجر ويلحق بدار المسلمين؛ لئلا تجري عليه أحكامهم، ولا يجوز لأحد من المسلمين دخول أرض شرك لتجارة ولا لغيرها إلا لمفاداة مسلم، وواجب على والي المسلمين أن يمنع الدخول إلى أرض الحرب للتجارة، ويضع المراصد في الطرق والمسالك لذلك حتى لا يجد أحد السبيل إلى ذلك، لاسيما إن خشي أن يحمل إليهم ما لا يحل بيعه منهم، مما هو قوة على أهل الإسلام، وهذا مذهب المالكية [5] ، واختيار الشوكاني [6] ، واستدلوا بما يلي:
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 542.
(2) أخرجه البخاري (فتح 2/ 492) ، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، حديث (1006) ، ومسلم، 1/ 468، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة حديث (675) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان حديث رقم (4597) .
(4) مجموع الفتاوى لابن تيميه 19/ 225.
(5) المدونة 4/ 270، الكافي لابن عبد البر، ص 210، المقدمات لابن رشد 2/ 151، المعيار المعرب للونشريسي 2/ 137 قال ابن القاسم: كان مالك يكرهه كراهية شديدة -أن يتجه الرجل إلى بلاد الحرب- ويقول:"لا يخرج إلى بلادهم، حيث تجري أحكام الشرك عليه"، وقال ابن عبد البر: لا يحل لمسلم أن يقيم في دار الكفر وهو قادر على الخروج عنها. قال ابن العربي: الهجرة وهي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان؛ فإن بقي في دار الحرب عصى؛ ويختلف في حاله.
(6) نيل الأوطار للشوكاني 8/ 30.