المبحث الثالث
مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي
من حيث تحديد اللجوء السياسي
تضمنت التشريعات الدولية الحديثة بيان حقيقة اللجوء السياسي، وتحديد وصف اللاجئ السياسي، وما يتبع ذلك من حقوق وواجبات وحماية دولية تضمن عدم تعرض اللاجئ لما فر منه من الاضطهاد، كما سيأتي تفصيل ذلك في المباحث التالية.
وقد تقدم بيان موقف الفقه الإسلامي من حقيقة اللجوء، من حيث التزام الدولة الإسلامية تهيئة الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين، واستقر تحت حكمها مدة محدودة، مما يقتضي ترك القتلى والقتال، وعدم استباحة دمائهم وأموالهم، أو استرقاقهم.
ومن خلال العرض السابق لموقف القانون الدولي، والاطلاع على أحكام الأمان في الفقه الإسلامي، يتضح أن الفقه الإسلامي كان أوسع مجالًا من القانون الدولي، حيث أوجب منح الكافر الأمان (حق اللجوء) بمجرد طلبه، بغض النظر عن السبب الذي حمله على ذلك، ما دام السبب مشروعًا كما قال إلكيا الهراس:"... والأمان الذي تعارفه الفقهاء أن يؤمن كافرًا لا يبغي به سماع كلام الله تعالى، حتى إذا استمع أبلغه مأمنه، بل يبغي به أمانه حتى يتجر ويتسوق ويقيم عندنا مدة لغرض لهذا المسلم، وذلك ليس ما نحن فيه بسبيل" [1] .
ولا شك أن التنصيص في الآية الكريمة على الأمان لسماع القرآن الكريم ومعرفة التوحيد لا ينافي الأمان لأغراض أخرى، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب [2] ؛ ولهذا نص كثير من المفسرين على أن الآية تتناول بعمومها منح الأمان لأغراض أخرى مشروعة [3] .
وكذلك لم يمنع الفقه الإسلامي من لجوء المسلم إلى ديار غير المسلمين عند الضرورة والحاجة الملحة، على تفصيل كما سيأتي، ولخصه ابن حزم بقوله:"وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه"
(1) أحكام القرآن لإلكيا الهراس 4/ 25 - 27.
(2) أصول العلاقات الدولية د. عثمان ضميرية 1/ 589.
(3) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 76، أحكام القرآن لابن العربي 2/ 903، تفسير ابن كثير 2/ 337، التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 10/ 117.