وليس سبب الاختلاف مقصورا على تفاوت الناس فيما بينهم في القدرات الطبيعية، بل طبيعة اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم تؤدي أحيانا إلى وقوع الاختلاف بين الناس في فهم النص الشرعي، فأحيانا"تأتيك النصوص الشرعية من آية كريمة أو حديث شريف، فتجد في الواحد منها أكثر من احتمال وفهم، أما إذا نظرت إلى جميع النصوص المتعلقة بالمسألة الواحدة فقد تسعفك في ترجيح أحد الاحتمالين، وقد توسع عليك دائرة الاحتمالات، فلا تستقر على رأي إلا بعد جهد، ولهذا سمي إفراغ الوسع والطاقة، وبذل الجهد في التعرف على الحكم الشرعي من خلال النصوص الشرعية سمي اجتهادا" (1)
وإذا كان الكلام السابق يقرر ضرورة وقوع الخلاف، فإنه لا يقرر أنه حق أو باطل، كما أنه لا يؤيده ولا يستنكره، فإن الاختلاف أقسام وأنواع يأتي بيانها - إن شاء الله تعالى -
ولكن ينبغي أن نعلم أن"باب الفساد الذي وقع في هذه الأمة - بل وفي غيرها - هو التفرق والاختلاف، فإنه وقع بين أمرائها، وعلمائها - من ملوكها ومشايخها وغيرهم - من ذلك ما الله به عليم، وإن كان بعض ذلك مغفورا لصاحبه لاجتهاده الذي يفغر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحية، أو توبته، أو لغير ذلك، لكن يعلم أن رعايته من أعظم أصول الإسلام، ولهذا كان امتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة والجماعة، ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره، وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب العمل به هو الإجماع، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة" (2)
(1) - أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين (ص 19) بتصرف، محمد عوامة، دار البشائر الإسلامية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1418 هـ، 1997 م.
(2) - مجموع فتاوى ابن تيمية (22/ 360) ، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، دار عالم الكتب، الرياض، 1412 هـ، 1991 م