والذم هنا يقع على المخالف صاحب العدوان وحده لا على غيره ممن التزم الحق والأدب في الاختلاف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا القسم - الذي سميناه اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه" (1) ، فإذا حصل تباغض بين المختلفين، أو تحاسد، أو شقاق، وكان اختلافهم يدور في فلك اختلاف التنوع، فاختلافهم مذموم غير مقبول، وإنما يقع الذم كما سبق على من اعتدى وبغى، لا على من التزم أدب الحوار، وغض الطرف عن المساويء، وكثير من النزاعات بين المختلفين اليوم منشؤها العدوان والبغي في أمور الخلاف فيها سائغ، والنصوص فيها محتملة، فما أحوجنا إلى أن ندرك أن مثل ذلك الاختلاف - أعنى اختلاف التنوع - هو من الاختلاف المقبول لا الاختلاف المذموم، وأن تتسع صدورنا لإخواننا، ووالله إن لم تتسع صدورنا لإخواننا فلن تتسع لغيرهم.
إن معرفة ما يجوز الاختلاف فيه مما لا يجوز من أهم المهمات، ذلك أن الناس قد انقسموا في هذه القضية إلى طرفين ووسط، أما الطرف الأول فيرى أن كل اختلاف - في أي مسألة - هو اختلاف سائغ، بل هو اختلاف محمود غير مذموم، وأما الطرف الآخر فيرى أنه لا يسوغ الاختلاف في أي مسألة، وأن من خالف في مسألة يسيرة كمن خالف في مسألة عظيمة جليلة.
(1) - اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 135) ، وانظر شرح العقيدة الطحاوية (ص 515)