وقد ورث كلا الفريقين سموما وجراثيم أضحت الأمة بسببها تعاني سكرات الموت إلا من رحم الله، فالفريق الذي يتساهل في كل الاختلافات، ويرى أن الصدر رحب لكل اختلاف عقديا كان أو فقهيا قد خلف لنا حثالة من الناس تدعو إلى وحدة الأديان، والتقارب بين الأفكار الإسلامية والأفكار الهدامة الأخرى، ليخرجوا لنا جيلا ليس له قيم إلا ما يفكر فيه من شهوات وملذات،"وإن الدعوة إلى نظرية الخلط والتقارب بين الأديان هي أكبر مكيدة عرفت لمواجهة الإسلام والمسلمين، اجتمعت عليها كلمة اليهود والنصارى بجامع علتهم المشتركة (بغض الإسلام والمسلمين) ، وغلفوها بأطباق من الشعارات اللامعة، وهي كاذبة خادعة، ذات مصير مروع مخوف، فهي في حكم الإسلام دعوة بدعية، ضالة كفرية، خطة مأثم للمسلمين، ودعوة لهم إلى ردة شاملة عن الإسلام، لأنها تصطدم مع بدهيات الاعتقاد، وتنتهك حرمة الرسل والرسالات، وتبطل صدق القرآن، ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع، فهي نظرية مرفوضة شرعا، محرمة قطعا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من كتاب وسنة وإجماع، وما ينطوي تحت ذلك من دليل وبرهان". (1)
أما الفريق الذي يرى أنه لا يقبل أي اختلاف، وأن الاختلاف في الأمور اليسيرة كالاختلاف في الأمور العظيمة الجسمية، فقد خلف لنا طائفة تنادي بتكفير كل مذنب وعاصي، وتنتهك حرمة كل مؤمن ومسلم، ولا شك أن تلك الأفكار تصادم أسس الدين، وتعارض الفطرة المستقيمة السوية.
(1) - الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص 35، 36) ، بتصرف يسير، د. بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى 1417 هـ.