وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) (1)
اختلف الناس قديما، وكانت أسباب اختلافهم تارة بحق وتارة بباطل، ومن ثم اختلف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسائل ليست بالقليلة، وإن كان الدافع على الاختلاف عند الصحابة غير الدافع عند غيرهم، فقد كان الدافع على اختلافهم هو الرغبة في الوصول إلى الحق، وإعلاء كلمة الدين، ونصر الملة، وتبين السنة، أما دوافع الاختلاف عند غيرهم فقد كانت تشوبها شائبة الرياء أحيانا، أو حب الظهور، أو التعصب، وأحيانا يكون الاختلاف بريئا نقيا صافيا من الشوائب.
يقول ابن القيم:"والصحابة - رضي الله عنهم - اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع، كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقض الوضوء، وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض، وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض حقدا، ولا ينطوي له على ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه" (2)
ومن صور الاختلاف الذي حصل في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - ما يلي:
(1) - صحيح مسلم (كتاب الزهد والرقائق - باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام، انظر شرح النووي 9/ 340 - 342 برقم 3005) ، قال النووي في شرح مسلم:"هذا الحديث فيه إثبات كرامات الأولياء، وفيه جواز الكذب في الحرب ونحوها"
(2) - الصواعق المرسلة (2/ 517، 518، بتصرف يسير)