وقال الزمخشري: الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقًا غليظًا، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يومًا قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ انتهى كلامه. [1] .
وقال الرازي:"قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} كلمة تعجب، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا؟ فانها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئًا بذله لها بطبية نفسه؟ إن هذا لا يليق ألبتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم. . [2] ."
وقال البيضاوي: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} إنكار لاسترداد المهر والحال أنه وصل إليها بالملامسة ودخل بها وتقرر المهر. {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} عهدًا وثيقًا، وهو حق الصحبة والممازحة، أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أو ما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أخذتموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واستحللتُم فروجَهُنَّ بكلمةِ اللهِ» [3] .
وقال صاحب الظلال:"ويدع الفعل: {أَفْضَى} بلا مفعول محدد. يدع اللفظ مطلقًا يشع كل معانيه ويلقي كل ظلاله ويسكب كل إيحاءاته. ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان. . وفي كل اختلاجة حبٍّ إفضاء. وفي كل نظرة ودٍّ إفضاء، وفي كل لمسة جسم إفضاء وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء، وفي"
(1) - الكشاف للزمخشري 1/ 258
(2) - التفسير الكبير لفخر الدين الرازي 10/ 16
(3) - أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ص 442