الزمان"للسبط ابن الجوزي وفيه، قال: قال هشام ابن عروة بن الزبير: كان له مائة غلام، كل غلام يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد بلغته. اهـ. وفي تأريخ الخلفاء للإمام السيوطي مثل هذا برواية عمر بن قيس وقفت"
عليه. [1]
فهذه الآثار والأدلة التاريخية دلالة صريحة وواضحة على جواز التكلم والمخاطبة للآخرين بغير اللغة العربية، إلا أن كثيرًا من العلماء قيدها بالحاجة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة) ، كما نص على ذلك مالك، والشافعي، وأحمد. بل قال مالك: (من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه) ، مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن شرعوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة. [2] وقال في موضع آخر: وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس مكروهًا، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم، والفرس، والترك، بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة.
وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه، واستدل بقول الرسول - لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص: «يا أم خالد هذا سنا» والسنا بلسان الحبشة
الحسن. [3]
وأما كراهة الإمام مالك للتكلم بلسان العجم مستدلًا على ذلك بنهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم، أي تكلمهم بلسانهم، وهو مروي عن سفيان الثوري.
عن ثور بن يزيد عن عطاء عن دينار قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخط ينزل عليهم» . [4] فقد قال ابن يونس وهو من أصحاب مالك: فقيل معنى النهي عن ذلك أنهم يتكلمون بها في المساجد، وقيل معنى النهي أنهم إذا تكلموا بها بحضرة من لا يفهمها فيكون من تناجي الاثنين دون واحد، وقد كره ذلك. قال الشيخ أبو الحسن عليها: والتأويل الآخر أسَدُّ، وأما الأول فلماذا كرهه - يعني مالك - لأنها من اللغو الذي تنزه المساجد عنه. انتهى.
(1) جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي. انظر السيوطي. تاريخ الخلفاء: 213 تحقيق محي الدين محمد عبد الحميد. المكتبة التجارية الكبرى بمصر من دار السعادة بمصر سنة (1959 م)
(2) فتاوى شيخ الإسلام بن تيمية: 32/ 255، والحديث أخرجه عبدالرزاق في المصنف: 1/ 411 رقم: 1609، منشورات المجلس العلمي (1392 م - 1972 م) ، والسنن الكبرى للبيهقي: 9/ 234، دار الفكر بيروت.
(3) فتاوى ابن تيمية: 3/ 306. مرجع سابق.
(4) فتاوى ابن تيمية: 25/ 325. مرجع سابق.