ذكرنا في بداية الحديث عن الترجمة أنها قسمان: حرفية، وتفسيرية. فأي القسمين الممنوع في حق القرآن الكريم؟
أ- الترجمة الحرفية:
القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وقد أشتمل بلغته على التحدي الذي أعجز العرب أنفسهم - وهو نزل بلسانهم - أن يأتوا بأقصر سورة منه، وإعجازه البلاغي وأسلوبه البياني، وسعة المعاني التي اشتملت عليها ألفاظه، وخواص التراكيب، وأسرار الأساليب، ولطائف المعاني، تجعل الترجمة الحرفية مستحيلة في حق القرآن الكريم، ولهذا لا يجد المرء أدنى شبهة في حرمة ترجمة القرآن الكريم ترجمة حرفية، فالقرآن كلام الله المنزل على رسوله، المعجز بألفاظه ومعانيه، المتعبد بتلاوته، ولا يقول أحد من الناس أن الكلمة من القرآن إذا ترجمت يقال فيها إنها كلام الله، فإن الله لم يتكلم إلا بما تتلوه بالعربية، ولن يتأتى الإعجاز بالترجمة، لأن الإعجاز خاص بما أنزل باللغة العربية - والذي يتعبد بتلاوته هو ذلك القرآن العربي المبين بألفاظه وحروفه، وترتيب كلماته، فترجمة القرآن الحرفية على هذا مهما كان المترجم على دراية باللغات وأساليبها وتراكيبها تخرج القرآن عن أن يكون
قرآنًا. [1]
وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن لهذا النوع من الترجمة - أي الترجمة الحرفية - وأيده على ذلك الإمام الشاطبي [2] ، وقرر بأن المعاني الإجمالية يمكن ترجمتها ولكن المعاني البلاغية التي تستفاد من الاستفسارات والإشارات البيانية لا يمكن ترجمتها من لغة إلى لغة في أي كلام بليغ. [3]
ويكاد يكون الإجماع انعقد على حرمة الترجمة الحرفية للقرآن لاستحالتها عادةً وشرعًا.
ب- الترجمة التفسيرية:
أما الترجمة التفسيرية، والتي تعني نقل التفسير أو المعنى الراجح للقرآن إلى لغة أخرى، أو تفسير القرآن بلغة أخرى، فإنه لا بأس بالترجمة من هذا النوع، فهو مشروع، وعند الحاجة والضرورة خاصة لتبليغ دين الله، وتعليم أصحاب اللسان غير العربي به، بل قد يكون هذا واجبًا، وذلك لأن الله تعالى بعث محمدًا - برسالة الإسلام إلى البشرية كافة على اختلاف أجناسها وألوانها،
(1) مناع القطان. مباحث في علوم القرآن: 314. طبعة منشورات العصر الحديث، سنة 1973 م.
(2) العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطي. الموافقات في أصول الشريعة: 2/ 68، دار المعرفة بيروت لبنان.
(3) عبد الوهاب خلاف. أصول الفقه: 69. دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع - الكويت (1392 هـ - 1972 م) .