فأما المرأة فإن كانت ترجمتها مما تقبل فيه شهادة المرأة كالإقرار بأموال، سمعت ترجمة المرأة، وحكم فيها بترجمة رجل وامرأتين كالشهادة، وإن كانت فيما لا تقبل فيه شهادة المرأة كالإقرار بالحدود، والمناكح لم تسمع فيه ترجمة المرأة، ونظر فإن كانت فيما تثبت فيه بشاهدين كالشهادة على غير الزنا حكم فيه بترجمة شاهدين عدلين، وإن كانت بالزنا فقد اختلف قول الشافعي في الإقرار بالزنا على قولين، أحدهما: أنه يثبت بشاهدين بخلاف فعل الزنا، مثل هذا يحكم فيه بترجمة شاهدين. والقول الثاني: أنه لا يثبت إلا بشهادة أربعة كالزنا فعلى هذا لا يحكم فيه إلا بترجمة أربعة.
ترجمة الكتب غير العربية إلى العربية والعكس:
إن ترجمة كتب الله عز وجل غير القرآن الكريم: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وغيرها، إذا اقتضت الحاجة إلى ترجمتها إلى أي لغة غير لغتها ليس من الممنوع، بل هو مشروع وجائز، وقد يكون مستحبًا، أو واجبًا في بعض الحالات والمقتضيات، سواء كانت الترجمة حرفية أو تفسيرية، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه بقوله: (باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها) وفي رواية الكشميهني [1] : (بالعبرانية وغيرها) لقول الله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} ، ووجه الدلالة أن التوراة بالعبرانية، وقد أمر الله تعالى أن تتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانية، ففيه الإذن في التعبير عنها بالعربية.
والحاصل أن الكتاب الذي بالعربية مثلًا يجوز التعبير عنه بالعبرانية وبالعكس. وهل يعتبر الجواز بمن لا يفقد ذلك اللسان أولًا؟ الأول قول الأكثر، قاله: الحافظ بن حجر. [2]
واستدل أيضًا على مشروعية ذلك بحديث كتاب النبي - إلى هرقل، وفيه أن هرقل دعا بترجمانه، ثم بكتاب النبي -، فقرأه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل. {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ... الآية} . ووجه الدلالة أن النبي - كتب إلى هرقل باللسان العربي، ولسان هرقل رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجمه عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان. [3]
(1) الكشميهني: هو أبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهني راوي صحيح البخاري عن الفربري وغيره، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: 66/ 492.
(2) ابن حجر. فتح الباري: 13/ 516. مرجع سابق.
(3) بن حجر. فتح الباري: 13/ 516. مرجع سابق.