ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل» [1] .
ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما في رجم اليهوديين، وقد سبق الكلام فيه، كما سبق فيه ما نقلناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية فليرجع إليه، فعمل الرسول، وإقراره، وأمره لزيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود ليقرأها ويكتب له ويكتب لهم، مما يؤكد هذه المشروعية ويدل على جواز فعله، كما أن اهتمام الخلفاء الراشدين بذلك عندما توسعت الفتوح الإسلامية، واختلط المسلمون بأمم تلك البلدان من ذوي اللغات المختلفة، وانفتاح المسلمين على ما عندهم من علوم إنسانية مدونة في كتب، وانصراف المسلمين إلى ترجمتها، خاصة في العهد العباسي الذي نشطت فيه الترجمة لتلك الكتب، ونقلها من لغات تلك الأمم كالرومية، والفارسية، والهندية، واللاتينية، وغيرها، إلى لغة العرب، كل ذلك دليل على حسن فهم المسلمين وعلمائهم، واعتقادهم لمشروعية ذلك وجوازه.
وإنما النقد الذي حصل من علماء المسلمين ليس على الترجمة، وإنما على ما اشتملت عليه من فلسفات وموضوعات تتنافى مع العقيدة الإسلامية ودعوتها الأخلاقية، وليس على ما فيها من علوم إنسانية، وكونية نافعة.
ومما ذكر من ترجمة الكتب السماوية غير القرآن في تاريخ المسلمين، ما ذكره ابن النديم عن أحمد بن عبد الله بن سلام مولى أمير المؤمنين هارون الرشيد فيما وقف عليه من كتاب مترجم، قال عنه أحمد المذكور: ترجمت صدر هذا الكتاب والصحف، والتوراة، والإنجيل، وكتب الأنبياء، والتلامذة من لغة العبرانية، واليونانية، والصابئة، وهي لغة أهل كل كتاب، إلى اللغة العربية حرفًا حرفًا، ولم أبتغ في تحسين الخط ولا تزيينه مخافة التحريف، ولم أزد على ما وجدته في الكتاب الذي نقلته، ولم أنقص إلا أن يكون في بعض ذلك من الكلام ما هو مقدم بلغة أهل ذلك الكتاب، فلا يستقيم لفظه في النقل إلى العربية إلا أن يؤخر، ومنه ما هو مؤخر لا يستقيم إلا أن يقدم ليستقيم ذلك بالعربية ... إلى آخر قوله. [2]
(1) صحيح البخاري: 8/ 213. مرجع سابق.
(2) ابن النديم أبو الفتح محمد بن يعقوب المعروف بالوراق. فهرست ابن النديم: 26. دار المسيرة