وكأنه توقف في ذلك. وقال في التوضيح: إنما كرهها في المساجد لأن مالكًا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم وإليه ذهب ابن يونس. [1]
قلت: إن القول بكراهة التكلم بغير العربية سواء في المسجد أو في غيره إلا لحاجة يحتاج إلى دليل قوي، وليس هناك دليل من السنة على ذلك، بل السنة تثبت غير ذلك كما عرفنا، اللهم إلا أن يكون المتكلم باللغات غير العربية معجبًا بها، مع ازدرائه للغته، وآدابها، وعلومها، فهذا هو الذي يحمل عليه قول عمر رضي الله عنه، ولا سيما وأن لغات العجم صارت اليوم مفتاحًا لكثير من العلوم الكونية التي أصبحت ضرورية لمجاراة العجم، والترقي بين الأمم، وصارت أيضًا مفتاحًا للتعارف الذي أصبح ضروريًا للعيش، وأمن الإنسان على حقوقه حين الاختلاط. وأصبحت لغة لكثير من التعاملات التجارية، والاقتصادية، والتخاطب السياسي، والإعلامي، في كثير من البلدان والشعوب، كما أنها أصبحت لغة رسمية مفروضة على كثير من الشعوب والأمم، لذلك قد يكون التخاطب بها ضرورة في بعض الأماكن، وعدم مخاطبة الناس بها مضرة.
ويدخل في الكراهة أيضًا الاعتياد على الخطاب بها مقدمًا لها على اللغة العربية لمن يحسنها، حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه. فهنا لا شك أنه مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم وهو مكروه، ولهذا فإن المسلمين الأوائل لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلها الرومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلها فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية، علموا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم [2]
عرفنا في المبحث السابق أن تكلم المسلم بغير العربية، أو أي لغة غير لغته مشروع وجائز، خاصة إذا كانت له حاجة إلى ذلك، وهنا نريد أن نستجلي الحكم حول تعلم هذه اللغات، وهل ينطبق على هذا التعلم الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والجواز، والكراهة، والحرام أو لا؟ فهذا ما سيجيب عنه البحث.
فتعلم المسلم أي لغة يحتاج إليها في أمر دينه أو دنياه مشروع، كما شرع له التخاطب والتكلم بها كما مضى عرض الأدلة على ذلك، خاصة عندما تكون الحاجة إلى ذلك قائمة، وأصحاب تلك اللغات عندهم علم يُؤخذ، أو حكمة تفسر، فلا سبيل إلى الانتفاع بما عند الغير إذا جهلت لغته، ولم يمنع الإسلام
(1) الكتاني. التراتيب الإدارية: 1/ 276. مرجع سابق.
(2) اقتضاء الصراط المستقيم: 526. مرجع سابق.