الصفحة 30 من 39

ومع إقرار الفقهاء بوجود مترجم للقاضي، فقد اختلفوا في العدد المطلوب للترجمة.

قال ابن بطال: أجاز الأكثر مترجمًا واحدًا، وقال محمد بن الحسن لا بد من رجلين، أو رجل وامرأتين.

ونقل عن الكرابيسي عن مالك، والشافعي، الاكتفاء بترجمان واحد، وعن أبي حنيفة الاكتفاء بواحد، وعن أبي يوسف اثنين، وعن زفر لا يجوز أقل من اثنين. [1]

ومبنى هذا الاختلاف: هل الترجمة شهادة أو خبر؟

فمذهب الشافعي أنها شهادة، ولذلك تفتقر إلى العدد، وقال أبو حنيفة: الترجمة خبر، ولذلك لا تفتقر إلى عدد، بل تقبل فيها ترجمة الواحد إذا كان عدلًا، استدلالًا بأن شرائع الدين كما قيلت عن الرسول - بخبر الواحد كانت الترجمة به أولى، وواضح أيضًا بترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي -، وأبي حمزة لابن عباس، وأن الترجمان لا يحتاج إلى أن يقول أشهد بل يكفيه مجرد الإخبار وهو تفسير ما سمعه من الذي يترجم عنه. وأن الخلفاء الراشدين والملوك من بعدهم لم يكن لهم إلا ترجمان واحد، وقد نقل ابن التبن من رواية أبي الحكم لا يترجم إلا حر عدل، وإن أقر المترجم بشيء فأحب أن يسمع ذلك منه شاهدان ويرفعان ذلك إلى الحاكم. [2]

وعن مالك روايتان، إحداهما: مثل قول أبي حنيفة، والأخرى: مثل قول الشافعي.

واستدل الشافعي بكونها شهادة أنها تثبت إقرارًا يفتقر إلى الحرية والعدالة فوجب أن يفتقر إلى العدد كالشهادة، ولأنه نقل فضل إقرار لو كان في غير مجلس الحكم كان شهادة تفتقر إلى عدد فواجب إذا كان مجلس الحكم، أن يكون شهادة تفتقر إلى عدد قياسًا على ما لو أنكر بعد أن أقر. [3]

والذي أرجحه أن الترجمة إذا كانت في غير القضاء تعدّ إخبارًا، والإخبار يكفي فيه واحد عدل، وإن كانت في مجلس القضاء فهي شهادة، فلا بد أن يكون اثنان أو أكثر بحسب القضية التي ترجم فيها، حتى يكون الحكم الصادر عن الحاكم صحيحًا لاشتراط العدد في الشهادة، وتنوع القضايا التي يطلب لها العدد كونه اثنين، أو أربعة، وبناء على ذلك فإذا كانت الترجمة في موضع الشهادة فلا تقبل فيها ترجمة الوالد والولد كما لا تقبل شهادتهما لبعض.

(1) انظر ابن حجر. فتح الباري: 13/ 188. مرجع سابق.

(2) ابن حجر. فتح الباري: 3/ 189. مرجع سابق.

(3) انظر الماوردي. آداب القاضي: 1/ 195، وابن حجر. فتح الباري: 13/ 188. مرجعان سابقان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت