الصفحة 21 من 39

المبحث الرابع

في ترجمة اللغات ومشروعيتها

الترجمة تعني لغة: تبليغ الكلام لمن لم يبلغه، ومنه قوله: «بلغوا عني ولو آية» أو تفسير الكلام بلغة غير لغته يقال: ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر، أو نقل الكلام من لغته إلى أخرى، ومنه الترجمان وهو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده. [1]

وهذا المعنى الأخير هو الذي عني به عرفًا، وتواضع عليه الناس وتعارفوا عليه.

وهذه الترجمة العرفية تنقسم إلى قسمين: ترجمة حرفية وهي التي تراعي فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، وتسمى أيضًا الترجمة اللفظية والترجمة المساوية.

والترجمة التفسيرية: هي التي لا يراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة، وتسمي أيضًا الترجمة المعنوية.

وكل هذه الأقسام والأنواع من الترجمات مشروع استعمالها في كلام الناس، وكتبهم، ورسائلهم، ومخاطبتهم، بل قد تكون في بعض حالاتها سنة، وأخرى واجبة لأن الإختلاط بالناس تقتضيه، وتبادل المنافع والحاجيات تستدعيه، كما أن تبليغ الدين وتفسير نصوصه وبيان أحكامه تستوجبه، ونقلها للعلوم الكونية، والإنسانية إلى الأمم والشعوب تطلبه.

وقد برهن على ذلك قبل هذا كله عمل الرسول -، وأمره، وسكوته كما جرى على ذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من ولاة المسلمين، وعلمائهم، ودعاتهم، على مدار العصور. وأفتى الفقهاء بمختلف مدارسهم ومذاهبهم بجوازه كما سنبينه، بل أفتوا بوجوبه في بعض الحالات والمقتضيات، وأكد على ضرورة الاهتمام به في عصرنا هذا تداخل اللغات واللهجات بإجتماع أهلها في كثير من المدن والشعوب، وتمازجت مع العلوم والصناعات، واستدعتها كثير من قضايا السياسات، وألحت عليها مجالس القضاء، وأصبحت ضرورة لكثير من التعاملات في العقود والمعاملات، لاسيما وقد أصبح العالم يمثل أسرة واحدة مما زاد في الحاجة الملحة إلى ذلك أكثر من سابق الأزمان.

(1) انظر النهاية في غريب الحديث: 1/ 186، والمعجم الوسيط: 83،وتهذيب الأسماء واللغات: 2/ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت