الإيضاح والبيان عن هذه المسألة يأتي في سياق ما تُطِرّق إليه في رواية الحديث بالمعنى، وهل يجوز أو لا يجوز؟ مع اتفاقهم على أنه إذا لم يكن الراوي عالمًا عارفًا بالألفاظ ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها أنه لا يجوز له رواية الحديث بالمعنى، وأنه لا يروي ما يستمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير. [1]
كما أنهم اتفقوا أن هذا الاختلاف لا يجري في ثلاثة أنواع من الحديث، النوع الأول: فيما يتعبد بلفظه كالتشهد والقنوت ونحوها، والثاني: ما هو من جوامع كلمه - التي افتخر بإنعام الله عليه بها، والثالث: ما يستدل بلفظه على حكم نحوي. [2] وقد وصفت لنا مصادر علوم الحديث حرص جميع الصحابة على أداء الحديث كما سمعوه من الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى أن بعضهم ما كان يرضى أن يبدل حرفًا بحرف، أو كلمة مكان كلمة، أو يقدم كلمة على أخرى، حتى أن عمر رضي الله عنه كان يقول: «من سمع حديثًا فحدث به كما سمع فقد سلم» . [3]
ومع ذلك فقد ترخص بعض الصحابة عند الضرورة في رواية الحديث بالمعنى، وكان بعضهم إذا روى الحديث بقول في آخره: هكذا، أو نحوًا من هذا، أو قريبًا من هذا، أو كما قال، روي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. [4]
وعلى هذا المنهج سار التابعون ومن بعدهم، وما ذاك إلا لأن سنة رسول الله - تعد المصدر الثاني من مصادر التشريع الذي يجب التحري في حقيقة اللفظ الذي خرج من رسول الله - حتى يكون مصدرًا حقًا من مصادر التشريع.
إلا أن هذا كله لم يمنع من أن يحدث خلاف بين المحدثين والفقهاء الأصوليين في جواز رواية الحديث بالمعنى، لمن توفرت فيه صفات العلم التي سبق ذكرها أو عدم الجواز، والأكثر على الجواز، معتمدين على أصل عملي في عهد الرسول - وهو إرسال الرسول - كتبه بواسطة رسل كانوا يترجمونها، أو يأذنون بترجمتها لمن أرسلت لهم هذه الكتب إلى غير العربية وبلغتهم، والترجمة هي تغيير للفظ الذي خرج من رسول الله. وأيضًا اعتمدوا
(1) انظر الزين العراقي. التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح: 226، المكتبة السلفية المدينة المنورة (1389 هـ - 1969 م) . والباعث الحثيث شرح علوم الحديث لابن كثير: 118، دار التراث - القاهرة. وابن الأمير. توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: 2/ 392، المكتبة السلفية - المدينة المنورة
(2) انظر تعليق توضيح الأفكار: 272. مرجع سابق.
(3) الحد الفاصل: 127 ب، والكفاية: 172.
(4) انظر التقييد والإيضاح: 226 - 227. مرجع سابق.