الكسائي: (قد درس [1] من كلام العرب كثير) [2] . وقال أبو عمرو: (ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير) .
ويشهد لذلك أن المستعمل من العربية في عصرنا الحاضر لا يكاد يزيد على عشرة آلاف مادة، مع أن"الصحاح المسمى تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري"يضم أربعين ألف مادة، و"القاموس للفيروزبادي"ستين ألف مادة، و"التكملة"ستين ألفًا، و"اللسان لابن منظور"ثمانين ألفًا، و"تاج العروس للمرتضى الزبيدي"مائة وعشرين ألف مادة، مع أن ما يستعمل من ألفاظ اللغة لم يتجاوز عشرة آلاف من المواد فإنها لم تضق عن كل حاجات الإنسان وتجاربه وخواطره وعلومه وفنونه وآدابه، بل اتسعت لروافد الحضارة والعلوم غير المعروفة عند العرب في أزهى العصور الإسلامية.
ويكفي اللغة العربية فضلًا وشرفًا وأهلية لهذه المكانة العالمية كونها لغة القرآن الكريم كلام الله الأبدي إلى عباده، وكونها لغة الدين الخاتم الخالد إلى كافة الناس، وأنها لغة العلم والتفقه لدين الله عزوجل، لذلك اعتبر كثير من العلماء أنّ العروبةَ اللسانُ، وأن الكلام بغيرها - بالنسبة للمسلم - لغير حاجة يخشى أن يورث النفاق، لحديث: «من يحسن أن يتكلم العربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق» أخرجه الحاكم في المستدرك. [3]
فاختيار الله عزوجل للعربية لغة لكتابه العزيز، ومُنزلِه الأخير يبرز فضلها ومكانتها ومقامها بين سائر اللغات، قال تعالى: {إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} سورة الزخرف: آية 3، وقال: {فإنما يسرناه بلسانك} سورة مريم: 97، وقال: {كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا} سورة فصلت: آية 3. إلى غير ذلك من الآيات، وبذلك أصبحت اللغة العربية بالنسبة للمسلمين هي لغتهم الأم المتبوعة وسواها لغة تابعة لا تستخدم إلا لأهليها وذويها وعند الحاجة، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة: (إذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع، وأولى الناس بالفضل في اللسان، من لسانه لسان النبي - ولا يجوز - والله تعالى أعلم - أن يكون أهل
(1) درس: درسًا ودروسًا عفا وذهب أثره.
(2) نزهة الأولياء: 33 نقلًا عن مقدمة الصحاح: 23.
(3) الحاكم. المستدرك: 4/ 87 من حديث عبدالله بن عمر، وفيه عمر بن هارون وهو متروك. مرجع سابق.