ومما لا شك فيه أنه كان لهذه الكتب المترجمة آثار سلبية فيما يتعلق بالجوانب العقدية، ولكن تصدى لها فقهاء الإسلام وعلماؤه بالبيان، والتوضيح، والتعرية لها، وتحذير الأمة منها. ودعوة الناس إلى الاستفادة مما هو نافع وترك ما هو ضار بعقيدة الأمة وفكرها. ومن أمثال هؤلاء: الإمام الغزالي، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما. مع قولهم بمشروعية الترجمة في جميع المتطلبات والمقتضيات، مخاطبة أو ممارسة لها في الدعوة والحوار، أو ترجمة الكتب، أو غير ذلك، كما سبقت الإشارة إليه.
بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية على جواز ترجمة معاني القرآن، وترجمة الحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم وترجمتها بالعربية، كما أمر النبي - زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ ويكتب له ذلك حيث لم يأمن اليهود على كتابه. [1]
وذكر في موضع آخر فائدة الترجمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وفي محاجة أهل الكتاب بلغتهم، وكشف ما يقع منهم من تحريف في كتب الله عز وجل بلغتهم، والحاجة إلى ذلك، لأنه: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . [2]
ولأن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدة المسلمين في تحصنهم وتسلحهم - على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم حسب توجيه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع، وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة. [3]
ولأن مسلمة أهل الكتاب الذين علموا ما عندهم بلغتهم وترجموا لنا بالعربية، انتفع بذلك في مناظرتهم ومخاطبتهم، كما كان عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وكعب الأحبار وغيرهم، وحينئذ يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول -، ويكون حجة عليهم، وعلى غيرهم من وجه
آخر. [4]
كزعمهم للنبي - أن الله أمرهم بتحميم الزاني دون رجمه، أمكن للنبي - والمؤمنين أن يطلبوا التوراة ومن يقرؤها بالعربية، ويترجمها من ثقات
(1) فتاوى ابن تيمية الكبرى: 2/ 306. مرجع سابق.
(2) أنظر ابن تيمية. الفتاوى: 4/ 105. مرجع سابق.
(3) أنظر ابن تيمية. الفتاوى: 4/ 107. مرجع سابق.
(4) أنظر ابن تيمية. الفتاوى: 4/ 109 - 110. مرجع سابق.