المبحث الثالث
اللغات غير العربية تعلمًا وتعليمًا وتخاطبًا
اللغات غير العربية: هي كل اللغات العجمية المباينة للفظ العربية نطقًا، ومعنًا، ومدلولًا، والمشار إليه بقوله تعالى: {لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} سورة النحل: آية 103.
فهي اللغات التي يطلق عليها عند العرب لغة العجم، وهم الذين لا ينطقون اللسان العربي، وهذه اللغات هي التي سنتناولها في بحثنا هذا من حيث الحكم الشرعي لتعلمها، وتعليمها، ومداولتها بالنسبة للمسلم، عربيًا كان أو عجميًا، باعتبار أن اللغة العربية هي اللغة المعتبرة عند المسلم دينًا، والتي يجب عليه تعلمها والتكلم بها إلا من لم يستطع، أو ألزمته الحاجة إلى سواها، ولو كانت لغته التي نشأ عليها في قومه وأمته.
فاللغة العربية - لغة القرآن - دون غيرها من لغات الدنيا، مشبعة بالمعاني والدلالات الشرعية التي تؤكد على شمولية الإسلام وتنظيمه لجميع شئون الحياة، وأي عزل لها عن الحياة أو فصلها عن الحياة وحصرها في العبادة، وقصرها على رجال الدين أو على علمائه، يجعل التدين غير مستقيم، والفهم للدين على حقيقته غير سليم.
وهي نوعان: أحدهما: لغات أثرت فيها اللغة العربية من حيث النطق، والكتابة، بحروف اللغة العربية، مع بقاء معانيها ومدلولاتها بحسب المدلول العجمي، وذلك مثل اللغات التي دخل الإسلام بلدانها، وتحولت حروفها المكتوبة بها إلى حروف عربية، وبها كتبت العلوم الإسلامية بلغة أهلها، مثل: التركية، والفارسية، والأردية، والجاوية، وغيرها من المجموعات اللغوية التي تحمل ثقافة الإسلام وحضارته ودونتها، وحفظتها، وتتداولها وتتخاطب بها أمم إسلامية غير عربية، وهذا النوع من اللغات وإن كان يطلق عليها لغات أعجمية، إلا أنها كانت بتأثير اللغة العربية عليها بالحروف وبكثير من الألفاظ والجمل وترجمة العلوم الإسلامية العربية إليها وكتبت بها علوم الإسلام، فقد أعطاها هذا التأثير شيئًا من الاحترام والتقدير في نفوس المسلمين، والرضا عنها، واعتبارها من لغات المسلمين.
النوع الثاني: لغات باينت اللغة العربية - لغة الإسلام - حرفًا، ولفظًا، ومعنىً، وتداولتها الأمم غير الإسلامية، وكان التأثير للسان العربي عليها قليل من حيث احتفاظها بحروفها وألفاظها، ومدلولاتها. وهي لغة المستعمر التي حملت حضارة مباينة لحضارة الإسلام مثل اللغات اللاتينية: الإنجليزية،