الصفحة 28 من 39

التراجمة، كعبد الله بن سلام لما قال لحبرهم: ارفع يدك عن آية الرجم فإذا هي تلوح، ورجم النبي - الشريفين منهم، بعد أن أقام عليهم الحجة من كتابهم، وذلك أنه موافق لما أنزل الله عليه من الرجم. وقال: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. [1]

وهكذا يكون شيخ الإسلام ابن تيمية قد أجاب على كثير من القضايا المتعلقة بالترجمة من حيث المشروعية، بل والوجوب أو الاستحباب متى كان المقتضى متوافرًا خاصة في الدعوة إلى الله عزوجل وبيان حكم الله، وبطلان قول المحرفين لدين الله عزوجل إلى غير ذلك، وأقام على ذلك من الأدلة والشواهد من عمل الرسول - وأمره واستخدام المترجمين في الكشف عن حقائق ما هو مكتوب بغير العربية إلى غير ذلك مما يؤكد هذه الحقيقة.

لم تكن الترجمة في تأريخ القضاء الإسلامي جزءًا من ديوان القضاء في أية مرحلة من مراحل الحكم الإسلامي، أو الحكم في بلاد الإسلام باستثناء الفترات التي كانت وقعت فيها بعض بلاد الإسلام تحت الاستعمار الغربي أو الحماية أو الانتداب، التي أنشأ فيها المستعمر محاكم أجنبية، أو محاكم مختلطة بلغته، ولم يكن ذلك إلا في العصور المتأخرة، وقد زال هذا الوضع زوالًا كليًا من جميع البلاد الإسلامية ما عدا فلسطين المحتلة، ولكن المجتمع المختلط الأعراق والأجناس الذي قام في عصر الفتوحات وبعدها - بل وفي عصرنا - أدى إلى وجود الحاجة إلى الترجمان، ووجوب توفيره للقاضي حتى يفصل بين الخصومات التي تقام لديه لمختلف الناس بمختلف لغاتهم ولهجاتهم، فتعاد الحقوق إلى ذويها، وينصف للمظلوم من الظالم.

ولذلك نجد الفقهاء في كتبهم الفقهية قد اهتموا بهذه القضية، قال السرخسي في المبسوط: وإذا اختصم إلى القاضي قوم يتكلمون بغير العربية وهو لا يفقه لغاتهم فإنه ينبغي أن يترجم عنهم له رجل مسلم ثقة.

واتخاذ الترجمان للحاجة قد كان عليه الناس في الجاهلية وبعد الإسلام، ولا خلاف في أنه يشترط في المترجم أن يكون عدلًا مسلمًا، لأن نفس الخبر محتمل للصدق والكذب فإنما يترجح جانب الصدق بالعدالة. [2]

وفي مجلة الأحكام العدلية مادة (1825) يضع الحاكم في المحكمة ترجمانًا موثوقًا به لترجمة كلام من لم يعرف اللسان الرسمي من الطرفين، ويقول الإمام الماوردي في كتاب أدب القاضي، قال الشافعي: وإذا تحاكم إليه

(1) أنظر فتاوى ابن تيمية: 4/ 105 - 112. مرجع سابق.

(2) الإمام أبي بكر محمد بن أحمد ن سهل السرخسي، المبسوط: 1/ 247. مطبعة دار السعادة بمصر سنة (1324 هـ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت