من تعلم لغات الآخرين، بل دعا إليها باعتبارها وسيلة لنشر دعوته في العالم، «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها أخذ بها» . [1]
وذلك لأن رسالته - عالمية، فهو وإن كان عربيًا، والكتاب المنزل عليه عربي، وقد أرسله الله بلسان قومه ليبين لهم - قد بعث للناس كافة {ليكون للعالمين نذيرًا} الفرقان: 1، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء: 107، {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا} الأعراف: 158. فلا بد من ترجمة بينه وبين أرباب اللغات الأخرى حتى يمكنه تبليغ الدعوة إليهم، وتلقي الإجابة منهم - وقد كان عنده - من أصحابه من يعرف الفارسية، والرومية، والحبشية، ويكفيه هم الترجمة منها وإليها، ولكن لم يكن عنده من يعرف اللغة السريانية التي يكتب بها يهود، فأمر بذلك كاتب وحيه الأنصاري زيد بن ثابت رضي الله عنه ليتقنها قراءة وكتابة، ويستغني بها عن الوسطاء من اليهود في ذلك. [2]
روى خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما: «أن النبي - أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتب للنبي - كتبه وأقرأُ له إذا كتبوا إليه» رواه البخاري معلقًا. [3]
وفي سنن أبي داود وجامع الترمذي عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله: «إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية، أو قال السريانية فقلت: نعم، فتعلمتها في سبع عشرة ليلة» وقال الترمذي حسن صحيح [4] وفي رواية أبي يعلى: «إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي وينقصوا، فتعلم السريانية» كما رواه ابن سعد وغيره. [5]
وفي مسند أحمد رفعه: «يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي» ، [6] وذكر ابن عساكر بسنده قال: «كان زيد بن ثابت يتعلم في مدارس مكة فتعلم كتبهم - يعني يهود - في خمس عشرة ليلة حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا» . [7]
فهذه الأحاديث كلها تدل على جواز تعلم اللغات غير العربية لحاجة، قال الكتاني: وفي الجزء الثالث من صبح الأعشى: ينبغي للكاتب أن يتعلم لغة من
(1) جامع الترمذي: 10/ 159، من عارضة الأحوذي. وسنن ابن ماجة: 2/ 1395 رقم:4169، دار إحياء الكتب العربية. والحديث كما قال الترمذي غريب. مراجع سابقة.
(2) القرضاوي. الرسول والعلم: 42.
(3) صحح البخاري رقم: 7195. مرجع سابق.
(4) سنن أبي داود في كتاب المصاحف، وجامع الترمذي في كتاب الأدب: 10/ 182 من عارضة الأحوذي. مرجعان سابقان.
(5) انظر ابن حجر. فتح الباري: 6/ 186. مرجع سابق.
(6) الكتاني. التراتيب الإدارية: 1/ 204، ومسند أحمد: 35/ 490 رقم: 21618. مرجعان سابقان.
(7) مسند أحمد: 35/ 490 رقم: 21618. مرجع سابق.