لذلك كان لهذا اللسان أهميته، وكان لمعرفة اللغات واللهجات مكانتها، وهي ضرورة يصعب على الإنسان فقدانها، ويعاني من ذلك الحرمان، لذلك كانت اللغة من أول ما تتلقى، والتعليم عليها من أول ما يُهتم به، والتخاطب بها من أول ما يسعى إليه، فلا يعرف الناس بعضهم بعضًا إلا بها، ولا يدرك الآخر ما يراد منه إلا عن طريقها: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم}
[الحجرات:13] .
واللغات كلها في مقام واحد ومنزلة واحدة إلا لغة القرآن - لغة العرب - التي تميزت على ما سواها من اللغات، لكونها لغة كتاب الله، واختص بها خاتم رسله وأنبيائه محمد -، واللغة التي ارتبطت بها كثير من أحكام دين الله الخاتم، لذلك كان لها هذه الميزة والتقدم، وأودع الله فيها من الخصائص ما لم يكن لغيرها، فكانت اللغة الوحيدة التي فرض على أهل الإسلام تعلمها، وأوجب على ذويها تعليمها، فأصبحت بحق أم اللغات ومقدمها، إلا أن هذا التقدم وهذا التميز وهذا الفضل جعل البعض ينظر إلى اللغات الأخرى نظرة دون، ولا يحسن بالمسلم أن يكون له اشتغال بها، ولا بذل جهد في التعرف عليها، وحسبه أن يقر أهلها عليها، ولا يكون له إلمام بها إلا في حدود الضرورة والاحتياج، وهذا أمر صحيح عندما تكون تلك اللغة لغة مستعمر، وأعلن بها الحرب على لغة العقيدة والدين، وحرص على أن يحلها محل أفضل لغة وأحسن لسان.
أما عندما تكون اللغة هي لسان قوم، وتبادل المصالح ارتبط بتداولها، ودرأ المفاسد معقود بنواصيها، والاستفادة من حضارة الشعوب متعلق بها، ولا ضرر على لغة الدين من تعلمها وتعليمها والتخاطب بها، ولا خطر على الشعوب في تداولها، فعند ذلك لا تكون تلك النظرة سليمة وصحيحة، وتحتاج من صاحبها أن يراجع نفسه، ويعمل في ذلك عقله، ويحاكم تلك النظرة إلى مصادر معتقده وشريعته، لكي لا يكون بعيدًا عن الصواب، ومحرومًا وحارمًا الغير من الاستفادة والانتفاع بما هو مباح ومشروع، وما هو جار وفق سنن الله ومقتضى إرادته، وإحدى النعم المسدلة على عباده التي جعلها محلًا للامتنان باعتبارها من عظائم آياته.
وهذا السبب هو الذي حدا بي إلى أن أخوض في هذا الموضوع، وأبين ما جاء في اللغات من هذا الدين، وأن أجلي الحقيقة مؤيدة بالدليل، وموضحة بالبرهان متعرضًا لخلاف العلماء وعارضًا أدلتهم ومبينًا وجه الحق بالدليل.
وقد جعلته في مقدمة، وأربعة مباحث، وخاتمة مشتملة على ملخص البحث، وهذا أوان الشروع: