فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 50

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - قال: (( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ) ) [1] .

ففائدة ضرب المثل تقريب الأمر المعنوي في صورة المحسوس لهم، وذلك أنَّ حال المذنب كحال المغتسل في النهر بجامع أنَّ كلًا منهما تزال عنه الأقذار.

وفي الحديث مهارة من مهارات التخاطب الجيد، وذلك أنَّ النبي - ساق له ابتداءً مثلًا محسوسًا يعرفون صحته، ولذا كان جوابهم مؤكدًا فقالوا:"لا يبقى من درنه شيء"ثم ساق لهم المثل المعنوي.

-ضبط المشاعر:

المحاور الجيد هو الذي يملك السيطرة على مشاعره وانفعالاته، مهما أُلقي إليه من أقوال لا يقبلها.

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: (( لما كان يوم حنين آثر رسول الله - ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع ابنَ حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثلَ ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمةٌ ما عُدل فيها، وما أُريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله - قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغَّير وجهُه حتى كان كالصِّرف [2] ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل اللهُ ورسولُه؟! قال: ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) ) [3] .

فإنَّ الكلمة التي قيلت من هذا المعترض كلمة جارحة، تؤذي كل من عرف من نفسه العدل، فكيف برسول الله -؟! ومع شدة غضبه - منها، إلا أنَّه - ضبط مشاعره، ولم يقل إلا حقًا، بل زاد على ذلك بذكر صبر نبي الله موسى - عليه السلام -، تسليةً لنفسه، واقتداءً به.

-مراعاة الزمان والمكان.

من تمام حكمة المتحدث، وحصافة رأيه أن يعرف التمايزَ والتفاضلَ بين الأمكنة والأزمنة، وأن لكل منها اعتباره، ولكل منها ما يناسبه، فما يقبل أن يقال في المكان المفضول ليس بالضرورة يكون مقبولًا في المكان الفاضل. وإليك هذا التوجيه النبوي الكريم:

(1) أخرجه مسلم (حديث 667) .

(2) الصِّرف: بكسر الصاد المهملة: شجرٌ أحمرُ يُدْبغ به الأديمُ. النهاية في غريب الحديث (3/ 24) .

(3) أخرجه البخاري (حديث 5944) ، ومسلم (حديث 1062) ، واللفظ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت