فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 61

فيها الإجماع تبعه فيها كثيرون، دون أن يدرك أكثرهم الفارق بينه وبينهم في هذا الأصل العظيم؛ وهو اعتقاد حجية الإجماع.

ثالثًا: يجب الأخذ في الاعتبار توسع الشوكاني جدًا في مسألة حكم الأعيان من حيث الطهارة أو النجاسة، حتى إنه قال بطهارة الميتة في (الدراري المضية) .

ويحسن هنا أن نعرض كلام الإمام الشوكاني الذي قرر فيه طهارة الدماء، لنخلص منه بأدلته واعتراضاته على أدلة القول بالنجاسة، ثم نضيف بعد ذلك ما استدل به من تبعه في هذا القول من المعاصرين.

قال رحمه الله في السيل الجرار:

"أقول لم يصح في كون كل الدم نجسًا شيء من السنة، وأما الاستدلال بما في الكتاب العزيز من قوله سبحانه (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [1] فقد قدمنا أن الآية مسوقة للتحريم كما هو مصرح به فيها والحكم بالرجسية هو باعتبار التحريم والحرام رجس ولا يكون بمعنى النجس إلا بدليل كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الروثة إنها ركس فإن الركس والرجس معناهما واحد، ومن زعم بأن الرجس بمعنى النجس لغة متمسكا بما في الصحاح وغيرها من كتب اللغة أن الرجس القذر فقد استدل بما هو أعم من المتنازع فيه؛ فإن القذر يشمل كل ما يستقذر والحرام مستقذر شرعًا والأعيان الطاهرة إذا كانت منتنة أو متغيرة مستقذرة طبعًا، وعلى كل حال فالآية لم تُسق لبيان الطهارة والنجاسة بل لبيان ما يحل ويحرم (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) " [2] .

وقال في الدراري المضية:

"وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحَبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية، ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى"فإنه رجس"إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير؛ لكان ذلك مفيدًا لنجاسة الدم المسفوح والميتة، ولكنه لم يرد ما يفيد ذلك بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب، والظاهر رجوعه إلى الأقرب وهو لحم الخنزير لإفراد الضمير؛ ولهذا جزمنا ههنا بنجاسة لحم الخنزير دون الميتة والدم الذي ليس بدم الحيض" [3] .

(1) الأنعام (145) .

(2) السيل الجرار، الشوكاني (30) .

(3) لدراري المضيئة، الشوكاني (1/ 24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت