فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 61

غرض هذا الفصل يختلف عن الذي قبله اختلافًا واضحًا؛ فالفصل السابق يختص بكلام العلماء فيمن خالف في حجية الإجماع، أما هذا الفصل فنذكر فيه كلام العلماء فيمن خالف الإجماع مع إقراره بحجيته.

والداعي إلى هذا ليس فقط أن مسألة البحث قد خولف فيها الإجماع، وإنما جرأة قد شاعت بين الكثير من طلبة العلم على رد الإجماع، فترى الواحد منهم يرد الإجماع لا لشئ ثبت عنده إلا فهمه الخاص، فإذا روجع في ذلك استدل بكلام الإمام أحمد ـــ دون أن يعرف وجهه ومعناه ـــ"من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا"، وإذا كان هذا هو منهج المرء في نقض الإجماعات، وهذا هو فهمه لكلام الإمام أحمد، فقد قارب حاله في واقع الأمر حال من يقول بعدم حجية الإجماع.

ولذلك ظهرت أقوال شاذة، مخالفة للإجماع، ووجدَت رواجًا عند كثيرٍ من الطلبة، كالقول ببدعية صلاة التراويح أكثر من إحدى عشرة ركعة، وحرمة الذهب المحلق، وحرمة شراء الطعام بالآجل، وما نحن بصدده هنا.

لذلك أوردت هذا الفصل ليكون رادعًا ومحذرًا لإخواني من طلبة العلم الذين يتساهلون في مخالفة الإجماع؛ ليعلموا أن الأمر جلل، وأن من علم أن في المسألة إجماع، فعليه أن ينصاع له إلى أن يثبت عنده انخرام هذا الإجماع ثبوتًا معتبرًا كما سنبينه إن شاء الله تعالى، لا بمجرد الاحتمال والتوهم.

لقد تعددت تقسيمات العلماء لحالات مخالفة الإجماع، واختلفت طريقة إيرادهم لهذه الحالات، ولعل القاسم المشترك بين كل هذه التقسيمات هو التفريق بين الإجماع الذي لا يخفى على أحد، وبين ما يحتمل خفاؤه.

وقد قسم الزركشي رحمه الله حالات إنكار حكم الإجماع إلى ثلاث حالات:

الأولى: أن يكون قد بلغه الإجماع وأنكره و لَجَّ وجادل فيه - أي في حكمه -، فهذا له حالتان:

إن كانت المسألة ظاهرة معلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وحرمة الخمر كفر، وإن كانت المسألة خفية كمسألة أن الجدة لها السدس مثلًا ففي تكفيره تردد.

الثانية: أن ينكر وقوع الإجماع بعد أن يبلغه، فيقول: لم يقع، ولو وقع لقلت به، فإن كان المُخبِر عن وقوعه الخاصةُ دون العامة كمسألة الجدة فلا يكفر على الأظهر، وفي قول يكفر، وإن كان المخبر الخاصة والعامة أي أنه إجماع عامة أي معلوم من الدين بالضرورة كفر.

الثالثة: أن لا يبلغه الإجماع فيعذر في الخفي دون الجلي، إن لم يكن قريب عهد بإسلام، فإن كان قريب عهد بإسلام عُذِر في الجلي أيضا [1] .

وقال الخطيب البغدادي رحمه الله:

(1) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي (4/ 524، 525) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت