فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 61

"الإجماع على ضربين: أحدهما: إجماع الخاصة والعامة، وهو مثل: إجماعهم على القبلة أنها الكعبة، وعلى صوم رمضان، ووجوب الحج، والوضوء، والصلوات وعددها وأوقاتها، وفرض الزكاة وأشباه ذلك، والضرب الآخر: هو إجماع الخاصة دون العامة، مثل ما اجتمع عليه العلماء من أن الوطء مفسد للحج، وكذلك الوطء في الصوم مفسد للصوم، وأن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وأن لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، وأن لا وصية لوارث، وأن لا يقتل السيد بعبده، وأشباه ذلك فمن جحد الإجماع الأول استتيب، فإن تاب وإلا قتل، ومن رد الإجماع الآخر فهو جاهل يُعَلَّم ذلك، فإذا علمه ثم رده بعد العلم، قيل له: أنت رجل معاند للحق وأهله" [1] .

فانظر رحمك الله إلى شدة العلماء في النكير على مخالف الإجماع حتى بحث العلماء في كفره، فهو دائر عندهم بين كفر أو بدعة أو جهل أو معاندة للحق، وانظر في الوقت ذاته إلى جرأة الكثيرين في زماننا على مخالفة الإجماع، مع دعوى أكثرهم اتباع السلف والتمسك بما عليه الجماعة.

فائدة:

كثيرًا ما يتعلل المتساهلون في رد الإجماعات بالمأثور عن الإمام أحمد أن من ادعى الإجماع فهو كاذب.

والحق أنه لا وجه لهم في الاستدلال بهذا النقل، لأن الإمام رحمه الله لم ينكر حجية الإجماع، ولم يقل باستحالة نقله، بل لقد استدل به في مواضع منها نجاسة الدم كما مر نقله، ولا يعني هذا الكلام أيضًا أنه يرد الإجماع لمجرد احتمال أن يكون الناس قد اختلفوا، ولكن معناه الصحيح أن بعض من ينقل الإجماع ربما ادعى إجماعًا فيما اختلف العلماء فيه وهو لا يدري، فالأمر يحتاج إلى مزيد تثبت، ويعني أيضا أن هناك فارق بين الإجماع وبين ألا يعلم المرء خلافًا في المسألة، فعدم العلم بالخلاف لا يستلزم عدم وقوعه.

وقد نقل الشاطبي في الاعتصام عن بعض الحنابلة في بيان معنى هذه الكلمة ما يلي:

"يعني أحمد أن المتكلمين في الفقه على أهل البدع إذا ناظرتهم بالسنن والآثار قالوا: هذا خلاف الإجماع، وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن بعض فقهاء المدينة أو فقهاء الكوفة مثلًا فيدعون الإجماع من قلة معرفتهم بأقاويل العلماء واجترائهم على رد السنن بالآراء، حتى كان بعضهم يسرد عليه الأحاديث الصحيحة في خيار المجلس ونحوه من الأحكام فلا يجد لها معتصمًا إلا أن يقول: هذا لم يقل به أحد من العلماء، وهو لا يعرف إلا أبا حنيفة أو مالكًا لم يقولوا بذلك، ولو له علم لرأى من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن قال بذلك خلقًا كثيرًا" [2] .

(1) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي (1/ 434) .

(2) الاعتصام، الشاطبي (263) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت