قبل الخوض في مسألة البحث ينبغي أولًا أن يُحرَّر محل النزاع، فالنزاع هنا حول حكم الدم المسفوح من آدمي وغيره، غير دم الشهيد والسمك.
والمراد هو تقرير ما أجمع عليه العلماء من نجاسة الدم، وبيان صحة هذا الإجماع، وأنه لم يقل أحد بخلافه من السلف، ومناقشة أدلة القائلين بالطهارة مناقشةً إجمالية وتفصيلية.
وسبب استثناء دم الشهيد والسمك من محل النزاع، أن العلماء الذين نقلوا الإجماع على نجاسة الدماء نقلوا في ذات الوقت الخلاف في دم الشهيد والسمك، فالإجماع منعقد على نجاسة غيرهما من الدماء المسفوحة، والخلاف منقول فيهما من نفس العلماء الذين نقلوا الإجماع من غير نكير.
وإتمامًا للفائدة نذكر هنا أقوال المذاهب الأربعة في دم الشهيد والسمك:
أولًا: مذهب الحنفية:
مذهب الحنفية أن دم الشهيد طاهر ما دام عليه فإن أُبين منه كان نجسًا.
ومعنى الحكم بطهارته ما دام عليه، أنه في نفس الأمر نجس لكن عُفِي عنه وحُكِم له بالطهارة للضرورة كما أفهمَ كلامُهم، قال ابن عابدين في حاشيته على البحر الرائق"قال ابن أمير الحاج: لأنَّ دم الشهيد ما دام عليه محكوم بطهارته لضرورة جواز الصلاة عليه مع قيام الدم، بخلاف ما لو انفصل الدم عنه فإنه يكون نجسا حتى لو أصاب ثوب إنسان أكبر من قدر الدرهم لم تجز صلاته لانعدام الضرورة" [1] .
وأما دم السمك فطاهر عند أبي حنيفة ومحمد، وذهب أبو يوسف إلى القول بنجاسته، لكن الأول هو المعتمَد في المذهب.
جاء في حاشية رد المحتار: والمذهب أن دم السمك طاهر لأنه دم صورة لا حقيقة [2] .
ثانيًا: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى أن الدم المسفوح من الشهيد أو السمك نجس، واختار ابن العربي رحمه الله طهارة دم السمك ونقله قولًا عن الإمام مالك [3] .
ثالثًا: مذهب الشافعية:
وافق الشافعيةُ المالكيةَ في نجاسة الدم المسفوح من الشهيد أو السمك، وإن كان في المذهب في دم السمك وجهان إلا أن المعتمَد القول بالنجاسة [4] .
(1) حاشية رد المحتار، ابن عابدين (1/ 345) ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، بحاشية منحةالخالق لابن عابدين (1/ 241) .
(2) حاشية رد المحتار، ابن عابدين (1/ 348) .
(3) مواهب الجليل شرح مختصر خليل، الحطاب الرعيني (1/ 151) .
(4) نهايةالمحتاج إلي شرح المنهاج، شمس الدين الرملي (1/ 239) ، المجموع، النووي (2/ 575) .