فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 61

المبحث الثالث: منشأ القول بطهارة الدم

بالرغم من أن معرفة القائلين بطهارة الدم جزء لا يتجزأ من موضوع البحث، إلا أني آثرت إبهام أسمائهم؛ لأنهم جميعًا من أفاضل المعاصرين الذين لا يحسن لمثلي أن يرد على مثلهم؛ فإبهام الأسماء أقرب إلى التأدب مع العلماء، كما أنه يرفع الحرج، ويجعل الرد متوجهًا إلى القول لا إلى القائلين به.

وأما التصريح بأول من قال بهذا القول؛ فلابد منه، لأن الاسم هنا له دلالات مهمة تعين على معرفة الحق في المسألة.

فأول من يعرف عنه القول بطهارة الدماء، هو الإمام البحر العَلم: محمد بن على الشوكاني [1] رحمه الله، صاحب التصانيف المشهورة التي كتب الله لها القبول (المتوفى سنة 1250 هـ) ولم ينقل الإمام الشوكاني نفسه القول بطهارة الدماء عن أحد سبقه، ولا يخفى أنه لو كان له سلف في هذا القول لتقوى بذكره.

والشوكاني رحمه الله إمام محقق، وفقيه نحرير، معروف بالتجرد للحق، والحرص على اتباع الدليل، لكن ما من أحد من العلماء إلا ويُؤخذ من قوله ويُترك، ويُقبل منه ويُرد عليه، ولا يقدح الردُ عليه في فضله وعلمه، كما لا يمنع ترك بعض قوله من أخذ البعض.

ومعرفة أن الإمام الشوكاني هو أول القائلين بهذا القول يدلنا على عدة أمور:

أولًا: حداثة هذا القول جدًا، وأنه لم يقل به أحد من علماء المسلمين على مدار اثني عشر قرنًا من الزمان، وكفى بذلك قدحًا فيه عند كل منصف محقق.

ثانيًا: أثر مذهب الشوكاني الأصولي في هذه المسألة، فالشوكاني رحمه الله لا يقر بحجية الإجماع [2] ، وهذه منه

رحمه الله زلة عظيمة لا يُوافَق عليها ولا ينبغي السكوت عنها، بل لابد أن تُبيَّن ويَعرف طالبُ العلم جسامتها، فإن زلةَ العالِم زلةُ عالَم، ومصنفات الشوكاني رحمه الله واسعة الانتشار، مؤثرة، وأقواله متبوعة، وله أقوال خالف

(1) انظر السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (30) ، الدراري المضيئة شرح الدرر البهية (1/ 24) كلاهما للشوكاني.

(2) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الشوكاني (1/ 374) وانظر قوله في آخر كلامه"فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه حقا ولا يلزم من كون الشيء حقا وجوب اتباعه!! كما قالوا أن كل مجتهد مصيب ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه في ذلك الاجتهاد بخصوصه"اهـ، قلت: هذا الكلام فيه خلطٌ واضحٌ بين الحكم المقطوع به أنه حق ـ والحكم المجمع عليه داخلٌ فيه باتفاق العلماء ـ وبين الحكم الظني الذي يحصله المجتهد باجتهاده ويغلب على ظنه أنه الحق، فهذا الثاني هو الذي لا يجب على مجتهدٍ آخراتباعه فيه، ولا يستطيع واحد منهم أن يجزم بصحة قوله فيه، ولذلك كان الشافعي يقول (قولي صواب يحتمل الخطأ) ولا يجزم بصحته، وكان مالك يفتي ثم يقرأ (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) هذا كله في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها ولا إجماع ولا قياس جلي، أما الحكم المجمع عليه فهو الحق قطعًا وخلافه باطل قطعًا ومخالفه مخطئ قطعًا، وأما استدلاله بقول بعض العلماء أن كل مجتهد مصيب فمستنكر جدًا، لأنه لا يقره ولا يقول به، بل لقد قال رحمه الله في نفس الكتاب"فمن قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأ بينًا وخالف الصواب مخالفة ظاهرة"انظر إرشاد الفحول (2/ 1070) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت