فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 61

3 ــــ جواز وطء المستحاضة ودمها ينزل، فلو كان الدم نجسًا لحرم الجماع كما حرم حال الحيض في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [1] فدم الاستحاضة ليس أذىً، فلا يمنع من الجماع، ولا من التلطخ به.

ويجاب عن ذلك بأن المجامع يصيبه من امرأته ما هو نجس باتفاق كالمذي ولا يمنع ذلك من الجماع، كما أن الفارق واضح بين دم الحيض والاستحاضة فالحيض فوق أنه نجس فإنه منتن كريه، أما الاستحاضة فهو دم كدم الجروح، فلما لم يكن متصفًا بصفات الحيض الكريهة، وقد يطول زمنه دون توقف؛ رخص الشرع في الجماع مع وجوده، إذ لابد للزوجين منه، فالاستحاضة إذًا أشبه بالمذي منها بالحيض من حيث الاستدامة وتجويز الجماع مع وجوده، بخلاف الحيض فإنه محدود الزمن منفر جدًا.

هذا جواب ما استدلوا به من النظر، وإن كان تقرير الحق في المسألة لا يحتاج إلى كل هذا لأن في المسألة إجماع

ولا اجتهاد مع القطع، ولكنَّ تقرير الحق بدليله وإزالة الشبهات التي حوله أدعى إلى قبوله والإذعان له.

قد يرى البعض أني قد أطلت في موضع لا يحتمل الإطالة؛ ولكني أردت أن أقدم في هذه الرسالة، ردًا وافيًا يحسم النزاع في مسألة نجاسة الدم، كما أردت أن أقدم منهجًا للتعامل مع الإجماع، من خلال هذه المسألة؛ فقضية الإجماع وحجيته والتمسك به والانقياد له كدليل شرعي متفق عليه بين الأمة، لها أهمية بالغة في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا، التي تُشَنُ فيها الهجمةُ تلو الأخرى على ثوابت الإسلام ومسلماته، وكما أسلفت، فإن الكثير من المسائل التي تعد من ثوابت الدين أدلتها من الكتاب والسنة ليست قطعية الدلالة، وإنما الذي أغلق باب الاجتهاد في فهمها هو الإجماع.

(1) البقرة (222) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت