القادح الأول: هذا رد للمختلف فيه إلى المختلف فيه، والرد إنما يكون إلى المتفق عليه، فهذا القياس لا تقوم به الحجة إلا على من يسلّم بطهارة دم السمك، وقد علمتَ أن مذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد أن دم السمك نجس.
القادح الثاني: الفرق، فلو سلمنا بطهارة دم السمك فإن هذا قياس مع الفارق، فإن الآدمي غير مأكول، والسمك مأكول وميتته مأكولة، وهذا فارق مؤثر، فإن من المناسب أن يكون ما تؤكل ميتته من غير إراقة دمه طاهر الدم، بخلاف غير المأكول.
القادح الثالث: فساد الاعتبار، فهذا قياس قد خالف إجماعًا وكل قياس خالف نصًا أو إجماعًا فهو قياس فاسد الاعتبار.
القادح الرابع: النقض، وهو تخلف الحكم عن العلة المدعاة بأن وجدت في صورة مثلًا بدون الحكم، وبيان ذلك أن القياس الذي استدلوا به مبني على أن علة طهارة ميتة السمك أن دمه طاهر، وميتة الآدمي طاهرة، فلابد أن يكون دمه طاهر.
ويلزم من ذلك أن الآدمي لو كان دمه نجسًا، لكان بدنه عند الموت نجسًا؛ لاحتوائه على النجاسة، وأن علة طهارة الميت أو نجاسته احتواؤه على النجاسة أو عدمه، ونحن نقول: نجاسة الدم لا تستلزم نجاسة البدن بعد الموت، وهذه العلة منقوضة.
ــ أما عدم اللزوم فلأن دم الميت الذي في عروقه لا تأثير له في حكم البدن، وهذا حكم كل نجاسة في معدنها كما هو مقرر عند العلماء كافة.
ــ وأما كون العلة منقوضة فلأن الآدمي يحيا ويموت وهو حامل لنجاسات كثيرة في جوفه ولا يصير لأجل هذه النجاسات التي يحملها نجسًا، فلماذا يلزم من حمله للدم النجس في عروقه أن تكون ميتته نجسة؟، بل نقول هو حامل للدم النجس ـ كسائر النجاسات التي في أحشائه، ولا يجعله ذلك نجسًا لا حيًا ولا ميتًا؛ لأن النجاسة في معدنها الأصلي لا حكم لها.
ومن ذلك يتبين أن قولهم"الآدمي ميتته طاهرة، فيكون دمه طاهرًا كالسمك"قياس غير صحيح، وبالله التوفيق.
ويجاب عن ذلك بأن يُسأل قائلُ هذا أولًا، لماذا (من باب أولى) وما هو وجه الأولوية؟
ولا وجه لذلك إلا أن يقال: المقطوع من الآدمي طاهر رغم احتوائه على دم، فلابد أن يكون الدم أيضًا طاهرًا، إذ لو كان نجسًا لكان الجزء المقطوع نجسًا، ويجاب عنه بما مضى من عدم التلازم بين نجاسة الدم وبين نجاسة البدن لأن الدم في معدنه لا يؤثر على حكم البدن كسائر النجاسات.