فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 61

وتفارقهم إلى الحق، فعلم أنه لو اجتمعت الأمة على شيء دون نكير من بعضها فهذا الشئ حق، وإذا كان ما اجتمعت عليه هو الحق فلا يجوز لأحد مخالفته لقول الله تعالى (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) [1] .

هذا بإيجاز استدلال لحجية الإجماع من السنة، ومن أراد استقصاء الأدلة فليراجعها في مظانها.

ذكرنا أن الشوكاني رحمه الله لا يقر بحجية الإجماع، وربما تأثر البعض بكلامه فعرض مسألة حجية الإجماع وكأنها مسألة يسوغ فيها الخلاف، فإذا تكلم عن الإجماع نقل القول بنفي حجيته وكأنه قول معتبر [2] ، لذلك فمن الضروري هنا أن نبين أنه لم يخالف في حجية الإجماع أحد من أهل العلم المعتبرين، بل لم يخالف فيه إلا أهل البدع الخلَّّص، وسأعتمد في بيان ذلك على نقل كلام أكابر أهل العلم من غير تصرف، ليكون ذلك أوقع في النفوس وآكد لطمأنينة القلب.

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"الطريق الرابع: الإجماع، وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة" [3]

وقال الزركشي في البحر المحيط:"ولم يخالف فيه غير النَّظَّامِ والإمامية، قال إمام الحرمين: أول من باح برده النَّظَّام ثم تابعه بعض الروافض" [4] .

وقال ابن قدامة في روضة الناظر:"وقال النَّظَّام: ليس بحجة، وقال: والإجماع كل قول قامت حجته؛ ليدفع عن نفسه شناعة قوله، وهذا خلاف اللغة والعرف"، وقال أيضًا:"هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع ولا يُظهر فيه أحد خلافًا إلى زمن النَّظَّام" [5] .

وقال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه:"إجماع أهل الاجتهاد في كل عصر حجة من حجج الشرع ودليل من أدلة الأحكام، مقطوع على مغيبه، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ، وذهب إبراهيم بن سيار النَّظَّام إلى أنه يجوز اجتماع الأمة على الخطأ، وقالت الرافضة: الإجماع ليس بحجة، وإنما الحجة قول الإمام وحده" [6]

(1) يونس (32) .

(2) من ذلك ما ذكره الدكتور محمد سليمان الأشقر في كتابه (الواضح) ، حيث قال غفر الله له: (وأنكر بعض العلماء الإجماع) ، وهذا نقل عجيب، فإن الأقوال الشاذة المنكرة لا تنقل بمثل هذه الصيغة التي توهم أنها أقوال معتبرة يقرها أهل العلم، وكتاب الواضح كتاب جيد لولا ما ضمنه فيه مؤلفه من تشكيك في حجية الإجماع وطعن في الاحتجاج بخبر الآحاد؛ فينبغي ألا يُنصح الطالب المبتدئ بهذا الكتاب الذي يشكك بقوة في هذين الأصلين العظيمين من أصول أهل السنة؛ حتى لا تُعرض على ذهنه هذه الشبهات، والكتاب منتشرٌ لحسن ترتيبه وطريقته لذلك نبهت على مافيه.

(3) مجموع الفتاوى، ابن تيمية (11/ 341) .

(4) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي (4/ 440) .

(5) روضة الناظر وجنة المناظر، موفق الدين بن قدامة (67، 68) .

(6) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي (1/ 397) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت