فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 61

فهذه نقولات عن بعض الأكابر تُبيّن أن القول بعدم حجية الإجماع لم يُعرَف إلا عن الرافضة والمعتزلة، وأن أول من قال به النَّظَّام.

و النَّظَّام هذا قال فيه التقي السبكي رحمه الله:"واعلم أن النَّظَّام المذكور هو أبو اسحاق ابراهيم بن سيّار النَّظَّام، كان ينظم الخرز بسوق البصرة وكان يظهر الاعتزال وهو الذي ينسب إليه الفرقة النظامية من المعتزلة لكنه كان زنديقًا، وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة، وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حد الحصر، هذا مع قوله بأن خبر الواحد قد يفيد العلم، فاعجب لهذا الخذلان!، وأنكر القياس كما سيأتي، وكل ذلك زندقة، لعنه الله، وله كتاب نصر التثليث على التوحيد، وإنما أظهر الاعتزال خوفًا من سيف الشرع، وله فضائح عديدة وأكثرها طعن في الشريعة المطهرة وليس هذا موضوع بسطها" [1]

وقال الذهبي في ترجمته:"كان يقول: إن الله لا يقدر على الظلم ولا الشر، ولو كان قادرًا لكُنَّا لا نأمن وقع ذلك، وإن الناس يقدرون على الظلم، وصرح بأن الله لا يقدر على إخراج أحد من جهنم، وأنه ليس يقدر على أصلح مما خلق"، وقال:"ولم يكن النظام ممن نفعه العلم والفهم، وقد كفره جماعة" [2]

وقال الزركشي رحمه الله في مسألة تكفير منكر حجية الإجماع:"وإن أنكر أصل الإجماع، وأنه لا يحتج به، فالقول في تكفيره كالقول في تكفير أهل الأهواء" [3] ،والصحيح ـــ والله تعالى أعلم ـــ أنه لا يكفُر لعذر التأويل وإن كان قوله غايةً في الشناعة.

فهؤلاء هم سلف من ينفي حجية الإجماع، ونحن نجزم بأن الإمام الشوكاني لا يشبه حاله حال هؤلاء، ولا نضعه في مصافهم أبدًا، وإنما نقول: الشوكاني إمام جليل زل في مسألة حجية الإجماع زلة عظيمة فوافق هؤلاء المبتدعة في هذا الأصل؛ فالذي يجب علينا هو أن نجتنب اتباعه في هذا الأصل وفي الفروع التي بناها عليه.

(1) الإبهاج في شرح المنهاج، علي بن عبد الكافي السبكي (2/ 393) .

(2) سير أعلام النبلاء، الذهَبي (10/ 541، 542) .

(3) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي (4/ 524) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت