قالوا: وهذا دليل على أن الصلاة في الدماء جائزة، وأن مذهب الحسن طهارة الدماء!
الجواب:
ابتدأت بهذا الأثر لأن الكلام عليه يتعلق بالرد على الاعتراض الرابع، وقد ذكرت هناك أني سأبين الصحيح من مذهب الحسن البصري، وسأبين أيضا المعنى الذي حمل عليه العلماء هذا الأثر.
أما هذا الأثر فقد ذكره البخاري تعليقا بصيغة الجزم، ولم أجده موصولًا بعد طول بحث، لكن جزم البخاري به ينبئ بأنه قد صح عنده.
وفي المقابل فهذه آثار تبين مذهب الحسن في الدم وأنه يرى بنجاسته:
1 ـــ عن الحسن قال: (إذا رأيته وقد صليت بعض صلاتك فضع الثوب عنك وامض في صلاتك) [1] .
2 ـــ وعن الحسن قال: (إذا صليت فرأيت في ثوبك دمًا فلا تُعد، قد مضت صلاتك) [2] .
فقد علل لعدم إعادة الصلاة بأنها قد انقضت، ولو كان يرى بطهارة الدم لم يكن لقوله"قد مضت صلاتك"محل، كما أن قوله في الأول"فضع الثوب عنك"صريح في أن الحسن يرى بعدم جواز الصلاة في الدماء.
3 ـــ عن الحسن أنه كره أن يطلى رأس الصبي من دم العقيقة، وقال:"رجس" [3] .
4 ـــ وعن الحسن في الجب يقطر فيه القطر من الخمر أو الدم، قال:"يهراق" [4] .
يتبين لك مما مضى أن مذهب الحسن يوافق الإجماع ولا يخالفه كما توهم البعض، ويتبن كيف حمّل المخالفون كلام الحسن ما لا يحتمل، وأنه يعني به طهارة الدماء، وكيف تساهلوا في نسبة هذا المذهب إليه دون جمع لبقية كلامه في المسألة، وقد يعجب الإنسان من مثل هذا المسلك، كيف يسلكه مريد الحق؟ ولكن لا عجب، فإن هذا حال من اعتقد شيئًا ثم ذهب يستدل له، فإنه يحاول جمع الأدلة بأية طريقة، حتى إنه ليلوي عنق النصوص ويحمل الأدلة فوق ما تحتمل في سبيل إثبات مذهبه، وإنما الواجب والمسلك الصحيح، أن تستدل قبل أن تعتقد، وأن تجعل الدليل أمامك ليقودك حيث تَوَجه، لا أن تجعله خلفك، وتلوي عنقه لتجبره على اتباعك، ومن تحرى الحق هُدِي، والمعصوم من عصمه الله.
(1) (81) صحيح ـ رواه ابن أبي شيبة: (5/ 102 / 7366) ، وقوله إذا رأيته-أى الدم-وقد اورد المصنف الأثر في باب(في رجل
يرى الدم في ثوبه وهو في الصلاة).
(2) صحيح - رواه ابن أبي شيبة: (3/ 328 / 3988) .
(3) إسناده منقطع، وإنما ذكرته استئناسا - رواه ابن أبي شيبة: (12/ 147 / 24167) ، قال حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن ومحمد أنهما كانا يكرهان أن يطلى رأس الصبي من دم العقيقة، وقال الحسن: رجس، وهشام كما هو معلوم هو ابن حسان الأزدي، حافظ ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، غير أنه تكلم في حديثه عن الحسن، قال أبوداود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب. (تهذيب التهذيب: 4/ 269) .
(4) إسناده منقطع، يرويه هشام عن الحسن وقد مر الكلام عليه، رواه ابن أبي شيبة: (ج 2/ص 208/ 1783) .