أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدم قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها [1] .
ــ وجه الدلالة من الأثر أن هذا الصحابي الجليل قد صلى في دمائه ولم يقطع صلاته من أجل الدم وفي هذا دلالة على أن الدم طاهر.
الجواب:
و الجواب عن هذا الحديث لا يختلف كثيرا عما سبق، فهو حديث محتمل ظني الدلالة، ويعارضه الإجماع فيجب حمله على جهة غير التي تعارض الإجماع جمعًا بين الأدلة، ولذلك لا ترى أحدًا من الأئمة استدل به على طهارة الدم، وإنما استدلوا به على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، فذكره البخاري معلقًا في (باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر) ، ورواه أبوداود في (باب الوضوء من الدم) ، ورواه البيهقي في (باب ترك الوضوء من خروج الدم من غير مخرج الحدث) ، وبوب عليه ابن خزيمة بقوله (باب ذكر الخبر الدال على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا يوجب الوضوء) ، وأنت إذا تأملت صنيع الأئمة هذا وأنه لم يستنبط أحدٌ منهم الحكم بطهارة الدماء من هذا الحديث، وهؤلاء هم أئمة الأثر وأهل الحديث الذين عُرِف عنهم شدة تحريهم للسنة وتمسكهم بدلالات الآثار، عرفت أن الذين استدلوا به على طهارة الدم قد أبعدوا النجعة، وابتعدوا عن الأصول العلمية المتبعة في النظر في الأدلة، لا سيما التي ظاهرها التعارض.
والذي ينبغي أن يحمل عليه الحديث هو أحد الاحتمالات الآتية:
1 ـــ أن هذا الصحابي رضى الله عنه أكمل صلاته متأولًا، حيث رأى أنه معذور، وقد تقرر عنده أن واجبات الصلاة تسقط بالعذر.
فإن قيل: أين العذر وهو يصلي نافلة؟
قلنا: المعذور له أن يتنفل كما أن له أن يصلي الفريضة، تمامًا كالسلِس والمستحاضة.
2 ـــ أو أن مذهبه رضى الله عنه أنه لا يرى وجوب التطهر من النجاسات للصلاة، وهذا مذهب بعض أهل العلم. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأسقطت طائفة غسل النجاسات عن الثياب، ورُوِينا عن ابن مسعود أنه نحر جزورًا فأصابه من فرثها ودمها فصلى ولم يغسله، ورُوِينا عن ابن عباس وأبي مجلز أنهما قالا: ليس على ثوب
(1) (90) رواه أحمد (ج 11/ص 518 ح 14639) وأبو داود (ج 1/ص 32/ح 198) والبيهقي في الكبرى (ج 1 / ص 219/ 663)
وغيرهم.