فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 61

ـــ وجه الدلالة أن ابن مسعود وهو واحد من كبار مجتهدي الصحابة قد صلى وعليه دم، فهذا دليل على أنه يرى بطهارة الدماء.

والرد على الاستدلال بهذا الأثر من ثلاثة وجوه:

ـــ الأول: أن هذا أثر ضعيف، إسناده منقطع، يحى بن الجزار ثقة، لكن روايته عن ابن مسعود منقطعة.

وقد أمسك بن سيرين عن التحديث بهذا الأثر كما رَوَى عنه ابن أبي شيبة بعد روايته له، قال: (حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن بن سيرين أنه أمسك عن هذا الحديث بعد ولم يعجبه) [1] .

وقال العقيلي: (حدثنا يحيى بن عثمان قال حدثنا نعيم حدثنا حسين بن حسن عن ابن عون قال: قال لي محمد:"إني أعرض حديثي عليك، وعلى أيوب"، فعرض علينا، فمر بحديث يحيى بن الجزار أن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم، فقال:"أُنكِر هذا") [2] .

ـــ الثاني: أن الأثر مع ضعفه محتمل، فيحتمل أن ابن مسعود لم ينتبه لتلوث ثيابه بالدم، أو أنه انتبه لذلك لكنه نسي إزالته وقت الصلاة، أو أنه دم قليل فرأى أنه من اليسير المعفو عنه، أو أنه يرى عدم وجوب تطهير الثياب ولذلك قال ابن المنذر"وأسقطت طائفة غسل الثياب وروينا عن ابن مسعود أنه نحر جزورًا فأصابه من فرثها ودمها فصلى ولم يغسله [3] ."

ـــ الثالث: أن الأثر في سياق بيان أن من مس دمًا لا يتوضأ وهذا ظاهر في قول الراوي (ولم يتوضأ) ولذلك أورده عبد الرزاق في (باب مس اللحم النيئ والدم) ، وأورده ابن المنذر في الأوسط في باب (ذكر الأشياء التي اختلف في وجوب الطهارة منها) ذكر فيه مسائل مثل الوضوء من مس الذكر والوضوء مما مست النار.

قال رحمه الله: (مسألة وروينا عن الحسن البصري، أنه قال في رجل توضأ ثم ذبح ذبيحة:"يعيد الوضوء"، ولا أحسب ذلك عن الحسن ثابتًا، وقد قال بعض أهل العلم يجوز أن يكون مراده: إذا أراد أن يذبح فليتوضأ -أي يتوضأ قبل الذبح ليكون على الطهارة إذا ذبح-، وقد روينا عن ابن مسعود أنه صلى وعلى بطنه فرث ودم من جزور نحرها ولم يتوضأ) [4] .

فهذا هو فهم الأئمة لهذا الأثر، لم يفهم أحد منهم قط أنه يفيد طهارة الدم.

وبهذا يتبين أن هذا الأثر لا حجة فيه على ما زعموا، وأنه مع هذه الاحتمالات الواردة فيه يسقط الاستدلال به، فضلا عن أن يكون صالحًا لمعارضة الإجماع، هذا كله فضلا عن ضعفه كما بيناه.

(1) ابن أبى شيبة (ج 3/ص 326/ 3976) .

(2) الضعفاء الكبير، العقيلي (رقم 2020/ص 1508) .

(3) الاوسط، ابن المنذر (2/ 156) .

(4) الأوسط، لابن المنذر (1/ 236) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت