فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 61

فانفجرت من لبته، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟، فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات رضي الله عنه [1] .

ـــ وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل سعدبن معاذ المسجد وأمر أن يُمرض فيه وهو جريح ينزف ولو كان الدم نجسًا لصان النبي صلى الله عليه وسلم المسجد عنه فإنه هو القائل (إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر) [2] .

الجواب:

الجواب عن ذلك أن هذا الفهم للحديث لم يصدر عن أحد من أئمة الإسلام قط، وذلك لسعة علمهم واطلاعهم على طرق الآثار ورواياتها، وانضباطهم بالقواعد والأصول المتبعة عند الترجيح، إذ لا يعقل أن يُقَدِّم إمامٌ من أهل العلم حديثًا محتملًا كهذا على دليل قطعي الدلالة كالإجماع، ولو انضبط القائلون بهذا القول بفهم السلف حقًا وأحسنوا الظن بالأئمة ـــ أنهم لا يخالفون دلالات الأدلة إلا لسبب قام عندهم، لو بحثنا عنه لعلمناه كما علموه ـــ لم يصدر منهم مثل هذه الأقوال، وانظر كيف نظر الأئمة في هذا الحديث:

قال في عمدة القاري: (استدل به مالك وأحمد على أن النجاسات ليست إزالتها بفرض، ولو كانت فرضًا لما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم للجريح أن يسكن في المسجد، وبه قال الشافعي في القديم، قلت: لقائل أن يقول: إن سكنى سعد في المسجد إنما كان بعد ما اندمل جرحه، والجرح إذا اندمل زال ما يُخشى من نجاسته) [3] .

إذًا هذا هو فهم أئمة الهدى للحديث كما نقله عنهم بدر العيني، لم يتطرق أحد منهم إلى أن الحديث فيه دلالة على طهارة الدم، بل نجاسة الدم عنهم مسلمة قطعية، والشأن كله في توجيه الحديث بما يتفق مع هذه المُسَلمة.

والحق أن التوجيه الذي ذهب إليه البدر العيني رحمه الله من أن سكنى سعد رضي الله عنه في المسجد كانت بعد اندمال جرحه هو التوجيه الصحيح، ولا أدري هل ذكره العيني رحمه الله على جهة الاحتمال -وهذا ظاهر كلامه- فيكون ذلك من توفيق الله له حتى إنَّه ليوافق الحديث تمامًا، أم أنه أخذه من بعض روايات الحديث؟، فقد جاء في الحديث نفسه من رواية أحمد وغيره حيث قالت عائشة رضى الله عنها: (ويَرمى سعدًا رجلٌ من المشركين من قريش يقال له بن العرقة بسهم له، فقال له: خذها وأنا بن العرقة، فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله عز وجل سعد فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت:

(1) رواه البخاري (2/ 820 / 4172) ومسلم (2/ 770 / 4699) .

(2) رواه مسلم (1/ 133/ 687) .

(3) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر العيني (4/ 353) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت