رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله خرّجه البخاري [1] ، فما: استفهامية مبتدأ، وبال: بمعنى شأن، خبر، والأصل: فما بال، على ما سيأتي، ولا يخفى ما في ذكر هذا الحديث من براعة الاستهلال، لِما فيه من الإشارة إلى المقصود، على سبيل الإجمال، وعلى آله وأصحابه الحائزين باتِّباعه: في جميع ما جاء به مِن الخصال، أعلى مراتب الكمال: إذ اتّباعه عليه السلام سبب لنيل كلِّ مَرام، كما وردت به الأخبار، وشهدت به الآثار، هذا: المذكور من البسملة، والحمدلة [2] ، والصلاة والسلام، كما ذكر، فهو مبتدأ، والخبر محذوف، أو الأمر هذا، فهو خبر مبتدأ محذوف، تخلّص به من الخطبة إلى المقصود، لأنّ الواو الآتية للحال، فهو اقتضاب قريب من التَّخلّص على حدِّ قوله تعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [3] ، {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [4] ، قال ابن
(1) عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقُلْتُ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءُ لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
صحيح البخاري 3/ 95 ـ 96 (2168،2169) .
(2) البسملة: قول: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمدلة: قول: الحمد لله، وهذا الأسلوب يعرف بأسلوب النحت، ومثل ذلك: لا إله إلا الله (الهيللة) ، سبحان الله (السبحلة) ، حسبي الله (الحسبلة) ، ما شاء الله (المشألة) سلام عليكم (السمعلة) ، أطال الله بقاءك (الطلبقة) ، أدام الله عزك (الدمعزة) جعلت فداك (الجعفدة) ، الله أكبر (التكبير) ويقال في النسبة: رجل من عبد شمس (عبشمي) ، عبد الدار ... (عبدريّ) عبد القيس (عبقسيّ) .
فالنحت هو «أن تُؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ. والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم حيعل الرجل، إذا قال: (حيَّ على) ، ما يفهم من تعريف ابن فارس (ت: 395) هو إنشاء كلمة جديدة، بعض حروفها موجودة من قبلُ في كلمتين أو أكثر. وقد أدى هذا الفهم بالكثير من العلماء إلى اعتبار النحت نوعا من الاشتقاق ميزوه من الصغير والكبير بمصطلح الاشتقاق الكبّار. انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 1/ 328 ـ 329، السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها 1/ 482 ـ 484.
(3) سورة ص 55
(4) سورة ص 49