ولنفترض أن هذه العظة لم تفلح، والرجل يرى أن الأمر داخل إلى منعطف صعب، فماذا يفعل الرجل؟ إن المرأة عادة تتدلل على الرجل بما تعرف فيه من إقباله عليها، وقد تصبر المرأة على لقاء الرجل أكثر من صبر الرجل على لقائها. ولذلك فالرجل حين يرى امرأته تقترب من النشوز وهي تعلم أنه رجل يحب المباشرة الزوجية ونتائج العواطف والاسترسال، هنا يمكن للرجل أن يعطي المرأة درسا ويطبق الأمر الثاني: (واهجروهن في المضاجع) ، قال العلامة ابن كثير: في قوله تعالى (واهجروهن في المضاجع) قال ابن عباس: الهجر أن لا يجامعها ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون، منهم السدي والضحاك وعكرمة: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وفي السنن عن معاوية بن حيدة القشيري: أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال:"أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا كسوت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح ولا تهجر إلا في البيت" [1] .
ولنر دقة القرآن الكريم، إنه أمر بالهجر في المضجع فقط، وليس أمرًا بالهجر في الحجرة، أي: لا ينام الرجل في حجرة وتنام المرأة في حجرة أخرى، إنه أمر بعدم فضح المسألة، وأمر بأن يظل الزوجان معا في غرفة واحدة، إنه هجر في المضجع، فلو هجرها الرجل ونام في غرفة أخرى، أو ترك البيت إلى مكان آخر فهذا يورث في المرأة غريزة العناد، ولكن أن يظل الأمر بين الرجل والمرأة، فهذا معناه أن هناك ظرفًا عاطفيًا قد يجيء، فتتغاضى هي عن العلو ويأتي للرجل ظرف عاطفي فيتغاضى عن الهجر، ويتمنى كل من الطرفين أن يصالحه الآخر.
إن أي خلاف بين الرجل والمرأة إن ظل بينهما فهو ينتهي إلى أقرب وقت، فساعة أن يخرج الرجل إلى خارج منزله قليلًا، تهدأ شدة غضبه ثم تلتهب عواطفه، فيعود إلى زوجته راغبًا في عودة الهدوء، وهي أيضًا تقابله شعورًا بشعور.
إذن الذي يفسد المسألة بين الرجل وزوجته أن تتدخل عناصر أخرى تورث الرجل عنادًا، وتورث المرأة عنادًا، كالأقارب وأصدقاء السوء،
ولكن إن ظل الخلاف منحصرًا بين الرجل والمرأة فهو ينتهي بسرعة، لماذا؟
(1) أخرجه أبو داود 2/ 606 رقم 2142، وابن ماجة 1/ 594 رقم 1850، كلاهما في النكاح، باب حق المرأة على الزوج، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث (1875) .