وحالة الاعتدال هذه، هي الحالة الغالبة على أكثر الناس، فيكون حكمها هو الأصل في حكم الزواج، أما ما عداها فهي حالات عارضة يختلف حكمها في كل حالة بحسبها.
ولهذا فإن جمهور الفقهاء قالوا: إن الأصل في الزواج أنه سنة، أو مندوب، أو مستحب، على اختلاف العبارات الواردة في كتبهم، وكلها بمعنى واحد تقريبًا، واستدلوا على ذلك بما ورد من الأدلة الكثيرة على مشروعية الزواج.
وإذا تعارض في حق الشخص ما يجعل الزواج فرضًا، وما يجعله حرامًا، كأن يتيقن أنه سيقع في الزنى إن لم يتزوج، ويتيقن أنه سيقع في ظلم المرأة إن هو تزوج، فهنا تعارضت مفسدتان، مفسدة الوقوع في الزنى، ومفسدة ظلم المرأة، فأي المفسدتين يترجح درؤه؟.
ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن من الواجب أن لا يقع في واحدة منهما، وإن وقع فقد تردى في مهاوي الإثم، والمحرم لا يبيح المحرم، أي الزنى لا يبيح الظلم، والظلم لا يبيح الزنى، فلا يقدم على الزواج [1] .
وذهب البعض الآخر إلى أن الشخص في هذه الحالة ملزم بأن لا يرتكب أيا من المحظورين، فلا يزني إذا لم يتزوج، ولا يظلم إذا تزوج، وعليه أن يجاهد نفسه على ذلك، فإن لم يقدر عليه فيقدم على الزواج، وقد رجحنا ذلك بدليل:
أن ظلم المرأة محصور بالمرأة نفسها، فهو مفسدة قاصرة، وغالبًا ما يكون الرجل بعد الزواج أحسن أخلاقًا وألين طباعًا منه قبل الزواج، إذ يشعر حينئذ ٍ بالعاطفة الزوجية والأبوية التي تربطه بالمرأة وأولادها منه، فتمنعه من ظلمها، أو تقلل من ذلك على الأقل، أما الزنى فهو مفسدة اجتماعية عامة متعدية، ومن تردى فيه مرة واحدة صعب عليه الخلاص منه، ولو بعد الزواج [2] .
المبحث الأول
في اختيار الزوج والزوجة، وفيه مطلبان
المطلب الأول: موقف الشرع في اختيار الزوج:
نظرًا لأهمية عقد الزواج، وللمعاني الجليلة التي شُرع لأجلها، فقد خُصّ الزواج من بين سائر العقود بأمور تؤكد على تلك الأهمية، فمن تلك الأمور التي خُصّ بها: وجود مقدمات شرعها الإسلام له، تسبق العقد، والغرض منها
(1) الأحوال الشخصية لأبي زهرة /23، وأحكام الأسرة في الزواج والطلاق للدكتور سعيد الجليدي / 28 - 29، والأسرة في التشريع الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي /22.
(2) شرح قانون الأحوال الشخصية 1/ 47 - 48، ونظام الأسرة في ضوء الكتاب والسنة / 23.