فإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها، إما لمرضها أو لكبر سنها، أو لدمامة وجهها، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما، ولو كان في الصلح تنازل الزوجة عن بعض حقوقها ترضية لزوجها، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراقها، فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.
قال ابن عباس: خشيت سودة أن يطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. [1]
وقالت عائشة: هي المرأة تكون عند الرجل، لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج عليها، تقول: امسكني ولا تطلقني، وتزوج غيري، فأنت في حل من النفقة علي، والقسمة لي [2] .
وقالت: إن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. [3]
إن الصلح هنا مهمة الرجل والمرأة معًا، أي أن يحل الاثنان المشكلة معًا، لذلك فكل مشكلة لا تتعدى الرجل والمرأة حلها يسير.
إن الصلح في أول درجاته مسألة بين الرجل والمرأة، وليتذكر الاثنان قول الحق سبحانه: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) [4] ، وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا) [5] .
ويقول الحق من بعد ذلك: (وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا) .
كأن الحق يقول: إنني أعلم عندما يُطلب من المرأة أن تتنازل عن شيء من نفقتها أو أن تتنازل له عن ليلتها لينام عند الزوجة الأخرى، أعلم أن هذا طلب قد يصعب على النفس، وكذلك تنازل الرجل عن مقاييسه وبعض حقوقه تألفًا
(1) أخرجه أبو داود الطيالسي رقم الحديث 2683، والترمذي في تفسير سورة النساء 5/ 32 رقم 3051، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي /2434، وراجع إرواء الغليل 7/ 84 - 85 رقم 2020، والإشراف على مذاهب العلماء 5/ 153 رقم المسألة 2839.
(2) راجع الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر 5/ 153 رقم المسألة 2839، وفتح الباري 11/ 658 - 659.
(3) أخرجه البخاري في النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك 11/ 657 - 658 رقم 5212، وفي مواضع أخرى كثيرة.
(4) سورة البقرة: 216
(5) سورة النساء: 19