فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 291

مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا. وقد قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} واختلف السلف والعلماء في أنه هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد وإن كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب لعموم الاَية؟ أم لا يكتب إلا ما فيه جزاء من ثواب أو عقاب؟ وإلى الثاني ذهب ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من العلماء، وعلى هذا تكون الاَية مخصوصة، أي ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء، وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات. وقد أخذ الإمام الشافعي رضي الله عنه معنى الحديث فقال: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك. وقد قال الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمنه: جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الاَخر فليقل خيرا أو ليصمت"وقوله صلى الله عليه وسلم:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له الوصية:"لا تغضب"وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"والله أعلم. وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله قال: الصمت بسلامة وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال. قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس. قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت، فلما علموا ما في الكلام من الاَفات، ثم ما فيه من حظ النفس وإظهار صفات المدح والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الاَفات، وذلك نعت أرباب الرياضة، وهو أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق. وروينا عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه. وعن ذي النون رحمه الله: أصون الناس لنفسه أمسكهم للسانه، والله أعلم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا يؤذي جاره) فكذا وقع في الأصول يؤذي بالياء في آخره. وروينا في غير مسلم فلا يؤذ بحذفها وهما صحيحان، فحذفها للنهي وإثباتها على أنه خبر يراد به النهي فيكون أبلغ. ومنه قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} على قراءة من رفع. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يبيع أحدكم على بيع أخيه"ونظائره كثيره، والله أعلم. وأما أسانيد الباب فقال مسلم رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة، وهذا الإسناد كله كوفيون مكيون إلا أبا هريرة فإنه مدني. وقد تقدم بيان أسمائهم كلهم في مواضع. وحصين بفتح الحاء.

حدّثنا يَحْيَىَ بْنُ أَيّوبَ و قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَ عَلِيّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعا عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيّوبَ: حَدّثَنَا إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلاَءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ مَنْ لاَ يَامَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ".

قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) البوائق جمع بائقة وهي الغائلة والداهية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت